ما بعد سجون الأسد: طريق الناجين الصعب بين ذاكرة الألم واستعادة الحياة

بعد عام على سقوط الديكتاتور السوري، يحاول ثلاثة معتقلين سابقين إيجاد طريقهم الصعب للحياة بعد الإعتقال.

إياد عكاري، 33 عاماً، عريض الكتفين وموشوم من الرقبة إلى المعصم، يرتدي سترة بنفسجية بدرجات ألون فاتحة. هو من حماة، وقضى أربع سنوات في كابوس سجون سوريا، دون أن يصل أي خبر عنه إلى عائلته. اختفى تماماً. لكنه في 8 ديسمبر من العام الماضي، عاد.

يروي قصته لأول مرة. مظهره الطبيعي يتناقض إلى حد ما مع ما مرّ به. تلمع في عينيه مسحة من اللطف. يدخن، ويشرب القهوة، ونادراً ما يخرج.

في يديه سيناريو فيلم “مجرد رقم”، الذي يعمل عليه، محاولاً التعامل مع التجربة التي لا تزال عالقة في ذهنه. يعيش في غرفة صغيرة مقدمة من منظمة ينتمي إليها: جمعية معتقلي الثورة السورية، التي أنشئت في يناير من قبل معتقلين سابقين في دمشق. غرفته تبدو كزنزانة، باب معدني مطابق لأبواب السجون، نافذة صغيرة عالية تدخل شعاعاً ضئيلاً من الضوء ، وفراش رقيق تحت ملاءة مزخرفة بالورود. يقول: “أنا حر من قضبان الأسد، لكن ليس من قضبان الحياة بعد”

قبل الحرب، كان فني تجميل ومختص مكياج تلفزيوني. يعرض على هاتفه صوراً لشفاه ممتلئة قام بحقنها، وصوراً من ورش عمله، وصوراً لممثلات وطالباته. النجاح واضح من الصور. اندلعت الثورة. ومنذ 2014، كان ينقل أسلحة سراً، مخبأة في عبوات بنزين، بين حماة ودمشق للثوار. ثم انتشر فيديو لعملية شارك فيها أدت إلى قتل ضابط إيراني، فأصبح مطلوباً.

اعتقل في مارس 2021 في المزة، حي راقي في دمشق، عندما وقع في فخ نصبه شخص دعاه إلى اجتماع عمل مزعوم. استقبل بالأسلحة، وسحب قميصه فوق رأسه، ثم انهالت الضربات على رقبته. نقل أولاً إلى الفرع 215، وهو مركز احتجاز تابع للمخابرات العسكرية، وبقي في الحبس الانفرادي 28 يوماً، قبل نقله إلى فرع فلسطين سيء السمعة، حيث كان التعذيب روتينياً، حتى سقوط نظام الأسد.

“اتهموني بقتل ضابط إيراني وتشكيل مجموعة إرهابية ضد نظام بشار الأسد”، يقول. “علقوني من السقف من 11 ليلاً إلى 10 صباحاً. علقوني من الأعضاء التناسلية لساعتين. عذبوني بالماء والصعق الكهربائي.” سمع حارساً ينادي: “لا تنقلوه للإعدام، سيتم ذلك في الفرع”. لكنه يقول: “كانوا يريدونني حياً، واعياً”.

حقنوه مراراً بشيء في ساقه، مما جعل اللحم يتورم. لا يزال يؤلمه، والكاحل اليوم منتفخ، والأوردة بارزة.  “وكأن إحدى ساقيّ أقصر من الأخرى”. يقول إن تلك الحقن قتلت الكثير من السجناء. لا يزال يتناول دواء لقلبه المنهك من الصدمات الكهربائية العديدة.

أطلق عليه أحد الحراس لقب “صاحب الوشم”. هو إسماعيلي، ولديه وشم صليب على رقبته؛ ساعده إيمانه على الصمود: “يجعل تحمل الألم والإذلال أسهل. يعطيك صبراً”. يتذكر صورةً واحدةً لا تفارقه: الحارس يضحك وهو يضربه، والأسطوانة الحديدية الخضراء المستخدمة للماء تصطدم برقبته. كان البروتوكول يقضي بثلاثة أيام من الهدوء، ثم يبدأ التعذيب من جديد.

“يمكنك أن تكون أقوى من ابتسامتهم. الألم… بعد فترة، لا تشعر به”. تحرره لم يكن مشهداً للابتهاج. سقط النظام بعد هجوم من هيئة تحرير الشام، الجماعة المعارضة التي يشغل زعيمها الآن منصب الرئيس المؤقت لسوريا. لكن بالنسبة لعكاري، المعركة من أجل الحياة قد بدأت للتو. خرج نحيفاً، منهكاً، حياً – لا أكثر.

يقول: “ابني لم يعرفني. أنا، أبوه، مُت في 2021”. اتصل بأمه. بكت؛ كانت هي أيضاً تعتقد أنه ميت. ثم أُخبر بأن زوجته غادرت إلى دبي دون أثر، تاركة طفليهما أثناء زيارتهما لجدتهما. يقول: “باعت منزلنا، كل شيء باسمها، وغادرت”. الآن يعيش أطفاله في منزل بسقف ألمنيوم.

“أمي وأطفالي هناك. لا مكان حتى لي”. شام، 12 عاماً، وحسام، 13 عاماً، ابنته وابنه، الأوائل في صفوفهما وممتازان في الرياضيات. “هم حياتي كلها”. يصف روتينه اليومي في غرفة المكتب التي تُستخدم أيضاً كغرفة نوم: “أستيقظ في السابعة صباحاً. أحضر إبريق قهوة، وأدخن سيجارة، وأجلس حتى التاسعة. خمسة أو ستة أيام في الأسبوع، لا أخرج من المنزل. إلا لشراء السجائر، أو التصوير، أو إنجاز بعض الأعمال المكتبية. أنا هنا دائماً. أحب الهدوء. لا أطيق سماع الناس يتحدثون عن أمور تافهة.”.

أشرف بنفسه على تصوير مشاهد فيلمه داخل فرع فلسطين، في نفس المكان الذي سُجن فيه. ويتألف طاقم التمثيل بالكامل من معتقلين سابقين. كانت العودة مؤلمة لكنها ضرورية بالنسبة له. يقول: “من الصعب العودة، لكنني أريد أن أروي ما عشته هناك. ما الذي بقي عالقًا في ذهني؟ كل شيء. أنا أصنع هذا الفيلم لكي يخرج إلى النور”. يضيف: “نقل الألم الذي عانيناه… لا أحد ينجح في ذلك تماماً”. يتوقف، ثم يستمر في شرح تجربته: “في الزنزانة 8… كنت الرقم 4. ‘زنزانة 8، جهزوا الرقم 4 للتحقيق’. لم تعد إنساناً بعد الآن. أنت رقم”.

يكره كلمة “التحرير”. “لم أعد إلى الحياة. لا أزال في السجن، في مكان ما. سُلب مني كل شيء: منزلي، حياتي، عملي. الحرية الحقيقية عندما تحصل على راتب مرة أخرى،أن تجد هدفًا في الحياة. لا أشعر أنني قادر على بناء منزل، أو العثور على عمل. لست الشاب الذي كنت. الوضع تحت الصفر بالنسبة لي – ليس من الصفر، أبدأ من السالب”.

يشير نحو نافذة تطل على فناء. “في فرع فلسطين، كانت النافذة نفسها. الآن، مجرد الذهاب لشراء سجائر، أشعر وكأنني في رحلة. لا يمكنك شرح ذلك”. يتنفس ببطء، ثم يضيف: “جدران السجن لم تكن شيئاً مقارنة بما أواجهه الآن”.

فيلمه الآن أيضاً طفله. يحمل لوحة مكتوب عليها “فرع فلسطين”. في نهاية الفيلم، يصور اعتقال مدير السجن السابق: “رسالة للسلطات. يجب أن يريحوا قلوب أمهات المعتقلين، يعتقلوا المسؤولين – جميعهم – ليس الأسد فقط”. يظهر الصور الأولى، فخوراً. “السجن أيضاً قوتي”.

حياته اليومية لا تزال مسكونة بماضيه. في مبنى متداعٍ في كلية العلوم بجامعة دمشق، يشغل مكتباً مستعاراً من السلطات الجديدة: جدران مصفرة، وجوه المفقودين معلقة في كل مكان. يقضي أيامه هناك، يبحث عن الهدوء. في الغرفة المجاورة، يعمل أكثر من سبعين محامياً متطوعاً على إعادة بناء الوضع القانوني للسجناء السابقين، واستعادة الممتلكات المصادرة، ومحو الاتهامات الباطلة، ومساعدة العائلات على استعادة وضعها الإداري بعد إعلان وفاتهم . فقد كثيرون منهم أخاً أو ابناً أو أحد الوالدين. وآخرون هم معتقلون سابقون.

حسن صالح، أستاذ قانون في بدلة أنيقة، فقد أخاه بعد ستة أشهر من زفافه؛ ابنته، الآن 12 عاماً، لم ترَ أباها قط. أبعد قليلاً، نعيسة، 55 عاماً، بمكياج لطيف وترتدي خاتماً فضياً، تدير المكتب القانوني. هي نفسها معتقلة سابقة. وتردد “ساعدوا المظلومين”. عندما تروي اعتقالها في 2014 الذي أدى إلى أربع سنوات في السجن، ينكسر صوتها؛ تنهار على الطاولة. يتجمع الآخرون حولها، يمزحون لرفع معنوياتها.

في الغرفة الأخيرة، حسام، 32 عاماً، ووليد، 31 عاماً، تحررا في 8 ديسمبر العام الماضي. يملآن نماذج لكل معتقل سابق: الاسم، الوالدان، مكان الاعتقال، الممتلكات المصادرة، الإعاقات. وعلى شاشاتهما تظهر وجوه المفقودين.

بين 2011 وسقوط نظام الأسد، قدر أن 100,000 إلى 180,000 شخص اختفوا قسرياً – واحدة من أعمق جروح سوريا ما بعد الأسد. عشرات الآلاف من العائلات لا تزال تعيش دون إجابات. هنا، يحرق الغياب القلوب. هنا، يحاول الناس ترميم ما تبقى من وطن. وبين هذه الأشباح، يبحث عكاري عن طريقة للبدء من جديد. اقترحوا عليه الزواج، لكنه يبتسم قائلاً إنه غير جاهز.

عبر الرواق، رجل آخر يتحرك داخل وخارج باستمرار: محمد ناصر خير الله، 42 عاماً. رحلته مختلفة – أب عاد من الموت، يكافح لاستعادة مكانه في عائلة تعلمت العيش بدونه. اثنان من أطفاله يلتصقان به كصغار الكنغر، كأنهما خائفان من اختفائه مرة أخرى. لديه أربعة أطفال: إسراء، 13، نور، 12، أحمد، 10 ومحمود، 6. يزور المكتب مرة أسبوعياً؛ أما باقي الوقت في القنيطرة.

في القنيطرة، جنوب سوريا، في غرفة معيشتهم، يتحدث خير الله. هو طبيب. عاش من 1993 إلى 2012 في روسيا، حيث درس ومارس الطب. يحمل جواز سفره الأحمر وهو يتحدث. عاد إلى سوريا في 2012 من أجل الثورة. يقول: “دولتنا لم تستطع مساعدتنا؛ نحن من يمكنه مساعدتها”.

في 2014، افتتح المركز الطبي الوحيد في قريته، يقدم الدواء والرعاية لـ270 مريضاً. اعتقل في دمشق في 2 مارس 2019، متهماً بالتعامل مع إسرائيل وعلاج الثوار. مثل الكثير من السجناء، نُقل من معتقل إلى آخر: الفرع 215، فرع فلسطين، الفرع 248. ثم وصل إلى سجن صيدنايا، في “القطاع الأحمر”، كما يسميه المعتقلون السابقون – القسم المخصص للسجناء السياسيين، يُعتبر واحداً من أكثر الأماكن وحشية في نظام السجون السوري.

صيدنايا، مبنى رمادي على شكل Y، كان آلة تعذيب وموت في عهد الأسد. وصفته منظمة العفو الدولية بـ”مسلخ بشري”. بعد افتتاحه في 1987، كان صيدنايا عنوانا أساسيا بين أدوات قمع الأسد – أولاً ضد المعارضين السياسيين، ثم بعد 2011 كأداة إرهاب. محاكمته استمرت دقائق فقط. خلال زيارة، تمكن أخوه من معرفة بأنه حكم عليه بـ20 عاماً.

داخله، عاش في جو من الشائعات – حلب، الثورة، المعارك. لا شيء مؤكد خلف جدران صيدنايا. سمع مرة عن قتال من سجين جديد. لكنه يقول إنه لن ينسى أبداً مشهد سقوط السجن: آذان السجناء ملتصقة بالجدران، الأصوات، “الله أكبر”، أبواب تكسر، ثوار شباب يصرخون: “سقط النظام. أنتم أحرار”.

الحياة في السجن، مع ذلك، لم تكن حياة على الإطلاق. “كنا بين الأموات”، يقول. لم يلتقِ أحداً بقي أكثر من ست أو سبع سنوات في صيدنايا ونجا. بعضهم مات في يومه الأول. يذكر سجناء أُعدوا للإعدام في 5 صباحاً، أشخاص قتلوا أمام عينيه.

في وقت الزيارة العائلية الأولى، أصيب بالسل. كان بعد أشهر من اعتقاله، وانخفض وزنه إلى 50 كيلوغراما، وجهه شبه أزرق من المرض. صُدم برؤية طفل رضيع في حضن زوجته، سمته محمود، على اسم أبيه. لم يكونوا على علم بأنها حامل عندما أُخذ. يقول وعيناه تلمعان: “حينها شعرتُ بنبض قلبي من جديد”. زوجته، أميرة، ترتدي حجاباً وردياً وابتسامة لطيفة، تصف الزيارات إلى صيدنايا كل 45 يوماً: “نسافر خمس ساعات، نصل قبل يوم من الزيارة، نغادر اليوم التالي. كان خلف جدار. لم أتمكن حتى من احتضانه”.

يستذكر خير الله يوم تحرره، يقول: “ركضت. كنت خائفاً أن يعيدوني”. لكن مع بدء استيعابه لحقيقة عودته إلى الحرية، بدأ يشعر بالخجل لأنه يعود إلى منزله بلا عمل ولا وسيلة لإعالة أسرته. احتشد المئات في قريته للاحتفال بالتحرير، ومن الظهر حتى الليل، قبّلوه واحتضنوه. حدّق في نفسه في المرآة: “أصلع، نحيف. لم أتعرف على نفسي”. استحم لأول مرة، وشعر بشعور غريب. لم يكن متأكدًا من أنه آمن. “غائب منذ خمس سنوات”، يقول خير الله. تصحح له أميرة: “خمس سنوات وعشرة أشهر”.

تراجع الأطفال، ثم اقتربوا، ثم تراجعوا مرة أخرى. “في المنزل، كنت غريباً”، يقول. كان الأطفال خائفين منه. تحدث محمود فقط إلى أمه. ثم محادثات طويلة مع زوجته. أدرك خير الله أن ابنه يجب أن “يتكيف مع وجودي”. شيئاً فشيئاً، استعاد مكانه.

“خرجت رجلاً مختلفاً”، يقول. أما بالنسبة لابنته، كان “مخيفاً وخطيراً”. يقول: “عذبني ذلك”. استغرق وقتاً وجهداً وصبراً لاستعادة صورة الأب الذي كان، مع قبول واقع جديد. بالنسبة لإحدى بناته، أصبح “شخصاً غامضاً لا يُعرف خطوته التالية”. في النهاية وجد عملاً في الأمم المتحدة.

يذكر ابتسامة محمود الأولى – بعد ثلاثة أشهر من تحرره – عندما أخذه إلى المدرسة لأول مرة. يبدو كأسعد رجل في العالم وهو يقودهم إلى المدرسة، أطفاله وأبناء عمومتهم أيضاً. السيارة مليئة بالأطفال، حتى في الخلف حيث يجلس ثلاثة. بعض الأطفال الآخرين يمشون إلى المدرسة، لكنه يصر على أخذهم بنفسه. يراقبهم بابتسامة هادئة فخورة. يقول إنه كان لديه الأدوات لإصلاح عائلته، لكن ليس الجميع يملكها.

يقتبس مثلًا عربياً: “ميت ما بيعين ميت”. يتحدث عن معتقلين سابقين آخرين: بعضهم سحقهم الفقر، شركاؤهم غادروا. يعرف أن نهايته السعيدة استثناء. يبقى على اتصال بمعتقلين آخرين. يشعرون بأنهم عبء، عاطلون عن العمل ومعزولون. أحدهم اعتقد أن أحدهم سحره.”أعتبرهم أصدقائي. نعرف بعضنا أفضل من عائلاتنا – 24 ساعة يومياً معاً. لم نكن نعلم إن كنا سنخرج أحياء، فأفضينا وصايانا الأخيرة لبعضنا، ليكون هناك شاهد”.

بالنسبة لخير الله، كما لعكاري، الروابط التي نشأت في السجن تبقى شريان حياة. طل الملوحي تشاركهم شيئاً واحداً: حياة تحتاج إلى إعادة بناء، وفراغ ما بعد الإفراج. لكنها تقول إنها لا تريد “أي صلة” مع الاعتقال أو مع معتقلين سابقين آخرين”. تحلم فقط بمغادرة سوريا، بقطع كل الروابط.

اعتقلت في 27 ديسمبر 2009. أصبح وجهها معروفاً في البلاد. كمراهقة، كانت تدير مدونةً تنشر فيها قصائد وتأملات شخصية ونصوصاً عن فلسطين. ووُصفت بأنها “أصغر سجينة رأي في العالم العربي”، قبل الثورة.

حكم عليها بتهموة “التجسس” و”مشاركة معلومات مع دولة أجنبية”. أُفرج عنها في 8 ديسمبر 2024، عندما فُتحت أبواب السجن، بعد 15 عاماً من اعتقالها. لا تزال تبدو في الـ17، في عينيها وإيماءاتها، جالسة في هذا المقهى في وسط حمص في أوائل نوفمبر. ترتدي ملابس بيج وحجاباً بيج. هي خجولة، لكن الناس لا يزالون يعرفونها.

كانت في سجن “مدني”، عدرا، على مشارف دمشق، لذا اختلفت الظروف عن السجون “العسكرية”. كانت تتلقى مكالمات هاتفية، وتتواصل بشكل محدود مع العالم الخارجي، وتعيش ظروفًا تصفها بأنها “أسهل”. تتحدث بسرعة، عقلها يتنقل عبر الذكريات. تصف إعادة التكيف مع الحياة الطبيعية. تقول إن المشي في الشارع لا يزال يبدو لها غير مألوف في كثير من الأحيان، وكذلك شراء شيء دون استئذان، وتناول الطعام دون انتظار، ومعانقة والدتها “دون قيود”.

أخواتها الثلاث عشن، درسن، تزوجنا وأنجبن أطفالاً. هي لم تفعل. عندما عادت، وجدت الكثيرين في حمص ينتظرونها. كانت رمزاً لقمع النظام. “رأوني بطلة”، تقول. لكنها تتأرجح بين الفرح والاختناق. أحياناً تمشي وهي ترتدي كمامة. تقول: “بعض الناس لم يصافحوا عائلتي، والآن يرحبون بي. الكثيرون تحت ديكتاتورية الأسد كانوا خائفين ويتجنبون عائلات المعتقلين”.

“اقطعي كل شيء، اقطعيه كله”، هكذا تقول. قطعت صلته مع أي شيء يذكرها بعدرا. في السجن، أُجبرت على توقيع صفحات معصوبة العينين. وضعت بين مرتكبي الجرائم المالية، البغايا، ومن ارتكبوا “جرائم شرف”. كانت الموسيقى المؤيدة للأسد تتكرر بلا انقطاع. قضت ثلاث سنوات في الحبس الانفرادي، في زنزانة مساحتها حوالي 20 قدماً مربعاً.

في 2011، عندما بدأ الربيع العربي، لم تعلم شيئاً. في أواخر 2013، سمعت عن “إرهابيين” على التلفزيون، ففهمت أن “الإرهابيين” هم “الثوار”. وصل سجناء جدد، وبدأت تدرك تدريجياً أن شيئاً ما يحدث في الخارج. عندما تحررت من السجن مع سقوط الأسد، وجدت ملفها في مكتب المدير وقرأته وهي تخرج. اتهمت بإضعاف الشعور الوطني، المساس بهيبة الدولة ونشر معلومات حساسة عن حماة، مسرح مذبحة الأسد الدموية في الثمانينيات.

تذكر قليلاً من الاحتفالات، لكن بعض الذكريات تبقى من الوصول إلى حمص. هناك، تجمع الناس في ساحة الساعة، حيث تم قمع أولى الاحتجاجات في المدينة عام 2011. وهي تمشي هناك، ابتسمت ورفعت إشارة النصر بإصبعيها. اليوم، الشائعات، الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي تستنزفها. حذفت كل شيء من هاتفها.

طلب طبيب أسنان يدها وهي لا تزال محتجزة في 2018، دون أن تعلم إن كانت ستخرج يومًا. تحدثا عبر الهاتف. هو فلسطيني يحمل جوازاً إسرائيلي. يتحدث الناس همسًا عن صلاته بإسرائيل، لكنها تتجاهل ذلك. تمت خطبتهما في الأردن. لديه عيادة في ألمانيا، وتريد الانضمام إليه والعمل كمساعدة له. تقول إنها تريد حياة بعيدة عن سوريا. “أريد مغادرة سوريا، أريد أن أترك كل شيء وراء ظهري”.

حمص لم تعد المدينة التي عرفتها. اكتشفت ذلك فقط عندما خرجت من السجن. تحزن على الوقت الضائع، تقول: “يحزنني، وأحاول عدم النظر إلى الوراء. يؤثر على نفسي، أنا مدمرة داخلياً”. تقول إنها لم تحصل أبداً على فرصة لعيش المراهقة: “لم أعشها. كنت مراهقة تتابع الأخبار، الصحافة، التدوين، السياسة، تحرير فلسطين. لم أتعب أبداً. لقد انغمست في الحياة بكل جوارحي”. ثم تضيف: “اليوم، أهتم فقط بحياتي الشخصية. كنت فتاة، وأصبحت شخصاً آخر. لم أعش قصة حب أبداً”.

ماذا ستقول لطل البالغة 17 عاماً؟ تجيب: “أتيحت لي فرصة ثانية في الحياة. أكره الذكريات قبل السجن. أعتبر نفسي شخصاً ولد مرة ثانية. أريد عيش كل شيء: كعاشقة، كطفلة، كمحبوبة، كزوجة. أريد تعويض كل ما فقدته. سأقول لها: ‘عيشي'”

Paloma de Dinechin , صحفية استقصائية فرنسية/تشيلية– December 17, 2025

عن مجلة نيو لاينز، INT

اترك رد

WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

اكتشاف المزيد من Independent News Team

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading