
خمسة شروط تحدد نجاح الثورات. ولأول مرة منذ عام 1979، تتوفر في إيران معظم هذه الشروط تقريباً.
قبل سبعة وأربعين عاماً، شهدت إيران ثورة أطاحت بنظام ملكي متحالف مع الولايات المتحدة وحل محله نظاماً دينياً معادياً لأمريكا. واليوم، قد تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية على حافة ثورة مضادة.
يشير التاريخ إلى أن الأنظمة لا تنهار بسبب فشل واحد، بل نتيجة تقاطع عوامل ضغط قاتلة. جاك، كتب مطولاً عن الشروط الخمسة اللازمة لنجاح ثورة: أزمة مالية، انقسام النخب، تحالف معارضة متنوع، رواية مقاومة مقنعة، وبيئة دولية مواتية. هذا الشتاء، ولأول مرة منذ 1979، تتحقق في إيران معظم هذه الشروط الخمسة تقريباً.
في الأسبوع الماضي، اجتاحت الاحتجاجات المدن الإيرانية، وازداد زخمها يوماً بعد يوم. بدأت هذه الاحتجاجات كرد فعل على أزمة مالية: عملة وطنية في انهيار مستمر، ودولة خاوية الخزائن. في السياسة الأمريكية، تؤدي معدلات تضخم تزيد عن 3% إلى إسقاط الإدارات. أما في إيران، فمعدلات التضخم — أكثر من 50% بشكل عام، و70% للأغذية — من بين الأعلى في العالم.
خلال العام الماضي، انخفضت العملة الإيرانية أكثر من 80% مقابل الدولار. في عام 1979، كان الدولار الأمريكي الواحد يساوي 70 ريالاً إيرانياً؛ أما اليوم فيساوي حوالي 1.47 مليون ريال، أي انخفاض يزيد عن 99%. تحولت العملة الإيرانية من وسيلة تبادل إلى مؤشر يومي لليأس الوطني. وعلى عكس الأزمات الاقتصادية السابقة، امتد هذا الانهيار إلى جميع الطبقات، مؤثراً على تجار الأسواق الشعيية والأثرياء والفقراء على حد سواء.
يبلغ عدد سكان إيران 92 مليون نسمة، وربما أكبر عدد سكان في العالم عُزل لعقود عن النظام المالي العالمي. إضافة إلى التضخم، تعاني البلاد من فساد مستشرٍ، وسوء إدارة، وهجرة الأدمغة. يواجه الشباب معدلات بطالة وعمالة متدنية عالية؛ أما الأجيال الأكبر سناً فقد وجدوا صناديق معاشاتهم شبه مفلسة. أعادت العقوبات العالمية المتجددة وانخفاض أسعار النفط — بنسبة 20% خلال العام الماضي — إجبار طهران على بيع نفطها للصين بخصم فاحش. أصبحت انقطاعات الكهرباء وتقنين المياه جزءاً ثابتاً من الحياة اليومية.
الشرط الثاني لانهيار الدولة — تهميش النخب — واضح أيضاً في إيران. ما بدأ عام 1979 كتحالف أيديولوجي واسع، تقلص بحلول عام 2026 إلى حزب واحد: حزب علي خامنئي. مير حسين موسوي، أحد آباء التأسيس ورئيس الوزراء السابق للجمهورية الإسلامية، يقضي عامه الخامس عشر تحت الإقامة الجبرية. تم إسكات أو تهميش كل رئيس جمهورية سابق على قيد الحياة: محمد خاتمي تحت حظر إعلامي كامل، محمود أحمدي نجاد مهمش ومراقب، حسن روحاني مُنع من الترشح لعضوية مجلس خبراء القيادة المكون من 88 عضواً (رجال الدين الذين يختارون المرشد الأعلى القادم).
أفرغ النظام نفسه عبر عقود من الاختيار السلبي — نتيجة مكافأة المتواضعين وتفضيل الولاء الأيديولوجي على الكفاءة. أدى ذلك إلى اغتراب المهنيين والتقنيين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري الإداري للدولة. استُبدلوا بالمحابين وخنقوا بتدخل رجال الدين في الحياة اليومية، فقدت هذه الطبقة الإيمان بالنظام منذ زمن. يرون ثرواتهم تتآكل بالتضخم، والبلاد تُدمر بسبب عدم الكفاءة — فشل أصبح لا يمكن إنكاره الآن حتى في سوء إدارة إمدادات المياه في طهران.
على غرار الاتحاد السوفييتي في الثمانينيات، فقدت الجمهورية الإسلامية معظم سرديتها التي استندت عليها. لم يبقَ سوى نسبة صغيرة من المؤمنين الحقيقيين؛ أما الأغلبية فتتحرك بدافع الثروة والامتيازات. قال أستاذ العلوم السياسة الذي تحدثنا إليه وهو مقيم في طهران: «في بداية الثورة، كان النظام يتكون من 80% مؤمنين أيديولوجياً و20% دجالين. اليوم، الأمر معكوس».
لعب تجار الأسواق الشعبية دوراً محورياً في ثورة 1979، وكانوا لسنوات عماداً اقتصادياً أساسياً للجمهورية الإسلامية. لكن في العقود الأخيرة، حوّل النظام الحرس الثوري الإسلامي إلى مجمع عسكري-صناعي تتدفق منه شبكات الثروة والسلطة. قارن سيامك نمازي، رجل أعمال إيراني-أمريكي احتجزته السلطات رهينة لثماني سنوات، الدولة الإيرانية بـ«مجموعة من المافيات المتنافسة — يسيطر عليها الحرس الثوري وخريجوه — ولاؤهم الأعلى ليس للوطن أو الدين أو الأيديولوجيا، بل للإثراء الشخصي».
لم يُضعف هذا النظام التماسك الأيديولوجي للنظام فحسب، بل أزاح أيضاً الطبقة التجارية التقليدية، محولاً الأسواق الشعبية من ركيزة دعم إلى مصدر معارضة.
ومع ذلك، لا تزال مجموعة واحدة من النخب متماسكة: قوات الأمن في البلاد. تماسكها منع حتى الآن انهيار الجمهورية الإسلامية. لم ينفصل أي قائد كبير في الحرس الثوري حتى الآن أو أبدى انتقاداً علنياً ولو خفيفاً لخامنئي، رغم سنوات من الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء البلاد، والاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت عشرات الشخصيات الكبيرة في صفوفهم. بالنسبة لكثير من هؤلاء القادة، فقدان السلطة يعني فقدان الثروة وربما حياتهم. من المحتمل أن يكونوا آخر من ينقلب على النظام. لكن إذا فعلوا، فلن ينجو النظام.
تلبي إيران بوضوح الشرط الثالث: خلقت الاستبدادية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للجمهورية الإسلامية تحالفاً معارضاً متنوعاً كرد على الظلم المتصور. على مدى العقد الماضي، جذبت الاحتجاجات الجماهيرية المتقطعة مشاركين من كل الطبقات الاجتماعية والاقتصادية تقريباً، بما في ذلك الأقليات العرقية في الأطراف، وحركات العمال، والنساء، وتجار الأسواق الشعبية. نادراً ما نسق هؤلاء جهودهم أو احتجوا معاً. لكن أسباب غضبهم مشتركة على نطاق واسع.
الجمهورية الإسلامية نظام ديني يدعي الحكم من منطلق أخلاقي. لهذا السبب، تثير أمثلة الفساد والنفاق غضباً شديداً. يشرف قادة الحرس الثوري على فرض الحجاب على النساء — بينما تُشاهد بناتهم وعشيقاتهم في الخارج بدون حجاب. تعاني البلاد من شحة مياه حادة — ويعتقد كثير من الإيرانيين أن «مافيا المياه» المرتبطة بالحرس الثوري تحول الموارد إلى مشاريعها الصناعية بينما تموت قرى بأكملها عطشاً. يعرض أبناء آلاف المسؤولين الكبار حياتهم في مدن غربية على إنستغرام ولينكدإن. هتف المتظاهرون مؤخراً في مدينة ياسوج: «أبناؤهم في كندا! أبناؤنا في السجون!»
أظهرت حركة المعارضة قدرتها على حشد غضب واسع، لكن للنجاح، يجب أن تتجاوز التعبئة وتربط صلات مع النخب المتذمرة. يشعر بعض هؤلاء التكنوقراط والمهمشين بالاغتراب لكنهم خائفون جداً من التصرف بسبب ما قد ينتظرهم في اليوم التالي. تحتاج المعارضة إلى تقديم مخرج آمن موثوق لهؤلاء المقربين من النظام، مقنعة إياهم بأن الجمهورية الإسلامية لم تعد درعهم، بل كفنهم.
تنشأ الثورات عندما يضعف الحكام ويعزلون؛ وعندما يعتقد الناس أنهم جزء من جماعة كبيرة متحدة عادلة قادرة على التغيير؛ وعندما تبدأ النخب السياسية بالانضمام إلى الشعب، متخلية عن الحكومة بدلاً من الدفاع عنها. في إيران حتى الآن، كان العنصر الأخير مفقوداً.
الشرط الرابع لانهيار الدولة هو رواية مشتركة مقنعة تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والجغرافية والأيديولوجية في الأمة. في إيران اليوم، حل محل المبدأ التأسيسي للنظام — الأيديولوجيا الثورية الإسلامية العابرة للقوميات — بنزعة قومية تصحيحية شرسة. تغرق الشعارات البالية للدولة «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» تحت مطالب المصلحة الوطنية: «تحيا إيران». هذا ليس مجرد تغيير في النبرة، بل رفض كامل لمغامرات النظام الإقليمية، يتجلى في الهتاف الاحتجاجي المنتشر الآن: «لا لغزة؛ لا للبنان؛ حياتي فقط لإيران».
إضافة إلى صعود القومية، أصبح الإيرانيون محصنين ضد الشعارات الأيديولوجية الفارغة والتدين الزائف لدولة نصّبت نفسها ك”حارس أخلاقية”. يطالب جيل ولد بعد ثورة 1979، قبل كل شيء، بـ«حياة طبيعية» من نظام يتدخل في أدق تفاصيل ملابس الناس وعلاقاتهم الشخصية وخياراتهم الخاصة. ومن خلال نزع الشرعية عن الجمهورية الإسلامية باعتبارها قوة احتلال تنهب ثروات البلاد لتمويل حلفائها الإقليميين، نجحت المعارضة في تقويض الخطاب القومي للنظام.
كل ثورة ناجحة تحتاج إلى قيادة ملهمة وتنظيمية. يتجمع كثير من المتظاهرين في انتفاضة إيران 2026 حول ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي يعيش في المنفى منذ 1979.
إن قيادة معارضة من المنفى وإعادة نظام ملكي معزول أمران صعبان، لكنهما ليسا بجديدين. قضى فلاديمير لينين في روسيا، وهو تشي منه في فيتنام، وآية الله الخميني في إيران، أكثر من 15 عاماً في المنفى قبل العودة لقيادة ثورات أطاحت بالأنظمة التي نفتهم. كما أن العديد من الدول التي ألغت أنظمتها الملكية سابقًا – بما في ذلك إسبانيا وكمبوديا وبريطانيا (في عهد أوليفر كرومويل) – أعادت لاحقًا أنظمتها الملكية كأنظمة ملكية دستورية.
كما يعرف الإيرانيون جيدًا من تجربتهم في عام 1979، فإن الثورات غالبًا ما تتحول – بعد سقوط النظام القديم – إلى صراعات عنيفة ودامية جدًا بين الفصائل المختلفة على من يأخذ السلطة. بعد قضاء نصف قرن تقريباً في الخارج، لم يستطع بعد بهلوي تنظيم القوة اللازمة على الأرض للانتصار في مثل هذه الصراع. كما يواجه سؤالاً أعمق: أي نوع من النظام يطمح الملكيون إقامته؟ أكد بهلوي باستمرار أن هدفه مساعدة إيران على الانتقال إلى الديمقراطية — وربما الخدمة كملك دستوري إذا اختاره الشعب. ومع ذلك، يصر كثير من أشد مؤيديه على استعادة الحكم المطلق الاستبدادي. أعاقت هذه التوترات قدرته على إقناع النخب المتذمرة بالانقلاب على النظام.
ومع ذلك، من المفارقة أن هذا الغموض قد يصب في صالحه بين عامة السكان. لا تحتاج الأيديولوجيات الثورية إلى تقديم خطة دقيقة للمستقبل لتوحيد وتحفيز أتباعها. على العكس، غالباً ما تنجح الوعود الغامضة أو المثالية بالخلاص، مقترنة بتصوير عاطفي قوي للظلم الذي لا يُطاق والشرور التي لا مفر منها في النظام الحالي.
المحفز الحاسم الأخير للثورة هو بيئة دولية تساعد على إغراق النظام بدلاً من دعمه. بعد كوريا الشمالية، قد تكون إيران أكثر الدول عزلة استراتيجية في العالم. خلال العامين الماضيين — منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل، الذي أيده آية الله خامنئي وحده بين زعماء العالم الكبار — تم تدمير أو إسقاط وكلاء إيران الإقليميين وحلفائها العالميين.
لعقود، أظهرت طهران قوتها عبر ما يسمى «محور المقاومة»، شبكة من الوكلاء القريبين والحلفاء الاستبداديين. لكن بعد الحرب المدمرة التي دامت 12 يوماً في يونيو، تدهور هذا الردع. مع تشتت قيادات حزب الله وحماس في حالة فوضى، وطائرات إسرائيلية تحلق بحرية مهينة تقريباً فوق الأجواء الإيرانية، أصبح النظام عارياً استراتيجياً أمام شعبه — مكشوفاً بخزينة فارغة وسماء غير محمية.
لم يعد بشار الأسد في سوريا ونيكولاس مادورو في فنزويلا في السلطة. فلاديمير بوتين منشغل بحرب في أوكرانيا. الصين — وجهة 90% من صادرات النفط الإيرانية — أثبتت أنها شريك انتهازي. ألقى دونالد ترامب 16 قنبلة خارقة للتحصينات فوق المنشآت النووية الإيرانية، مدمراً إلى حد كبير مشروعاً كلف الأمة — بين التكاليف والعقوبات وخسارة إيرادات النفط — أكثر من نصف تريليون دولار. علاوة على ذلك، وعلى عكس الرؤساء الأمريكيين السابقين الذين ترددوا في التدخل في الشأن الإيراني، حذر ترامب الجمهورية الإسلامية من أنه في حال ارتكبت مجازر بالمتظاهرين، فإن الولايات المتحدة جاهزة للرد.
يسأل مراقبو الاحتجاجات الحالية:ما الذي يختلف هذه المرة الجواب هو أن اتساع الانهيار الاقتصادي والهزيمة الكارثية في حرب الـ12 يوماً أظهرا لكل الإيرانيين أن النظام لم يعد قادراً على توفير الأمن الاقتصادي أو العسكري الأساسي. لماذا يتحملون دولة تثري نفسها لكنها غير قادرة على أداء أبسط وظائف الدولة؟
عندما تتزامن الشروط الخمسة — الضغط الاقتصادي، تهميش ومعارضة النخب، غضب شعبي واسع من الظلم، رواية مقاومة مقنعة، وبيئة دولية مواتية — فإن الآليات الاجتماعية المعتاد استخدامها لاستعادة النظام في الأزمات لا تعمل عادة. يتعطل توازن المجتمع بعمق ويمكن أن ينقلب بسهولة إلى انتفاضات شعبية متصاعدة ومقاومة نخبوية مفتوحة، مما يؤدي إلى ثورة.
الجمهورية الإسلامية اليوم أشبه بنظام زومبي. شرعيته وأيديولوجيته واقتصاده وقادته البارزون، إما في عداد الموتى أو يحتضرون. ما يبقيه حياً هو القوة القاتلة. العنصر الأهم الذي لا يزال مفقوداً لانهيار ثوري كامل هو أن تُقرر القوى القمعية أنها هي الأخرى لم تعد تستفيد من النظام، يمكن للوحشية أن تؤخر جنازة النظام، لكن من غير المرجح أن تعيد نبضه.
مجلة ذا أتلانتيك – كريم ساجدبور وجاك أ. غولدستون
10 يناير 2026
اترك رد