تقرير من إعداد منصة INT
مدة القراءة التقريبية: 5 دقائق.
تصاعدت في الأشهر الأخيرة أزمة في شمال وشرق سوريا بين الإدارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والمدارس المسيحية الخاصة التابعة للطوائف السريانية والآشورية. سبب الخلاف هو فرض الإدارة الذاتية مناهجها التعليمية في جميع المدارس الواقعة تحت سيطرتها، مقابل إصرار المدارس المسيحية على اعتماد المنهاج الرسمي الصادر عن وزارة التربية في دمشق، معتبرة أن المناهج الجديدة تهدد مستقبل الطلاب والشهادات التعليمية الرسمية.
خلفية الصراع بدأت منذ إعلان الإدارة الذاتية مشروعها الإداري عام 2014، حيث سعت مؤسساتها التعليمية إلى بناء نظام محلي متعدد اللغات (الكردية والعربية والسريانية) يعكس رؤيتها السياسية والاجتماعية المستوحاة من فكر “الأمة الديمقراطية”. في السنوات الأولى بعد تأسيس الإدارة، كان لا يزال هناك عدد محدود من المدارس في المربعات الأمنية في الحسكة والقامشلي تُدرّس المنهاج الحكومي السوري. هذه المدارس كانت تمثل آخر امتداد للتعليم المركزي في المنطقة، لكن مع توسع نفوذ الإدارة الذاتية، تراجع وجود تلك المدارس تدريجيًا حتى اختفى تمامًا بعد عام 2024 بعد سقط نظام الأسد .
ومنذ ذلك الحين، لم يعد هناك أي مدرسة تُدرّس المنهاج السوري، سواء حكومية أو خاصة، لتصبح المناهج المحلية هي الوحيدة في مناطق الإدارة الذاتية. شكلت خطوة الإدارة الذاتية بإغلاق المدارس المسيحية وفرض مناهجها الشرارة التي أدت إلى تصاعد الأزمة. ففي مدينتي الحسكة والقامشلي، شهدت المدارس المسيحية الخاصة حملة واسعة شملت: مار قرياقس، السلام، ميسلون، فارس الخوري، الاتحاد، والأمل. وأكدت المصادر المحلية أن القوى الأمنية التابعة للإدارة الذاتية طردت الإداريين والمعلمين بالقوة، وسط ما وُصف بـ الإهانات والشتائم، وهو ما أدى إلى توقف العملية التعليمية وترك الطلاب في منازلهم دون تعليم، ليصبح القرار محور التوتر بين الإدارة الذاتية والطوائف المسيحية في المنطقة.
القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي آلدار خليل أكّد أن الهدف من التعليم ليس الحصول على ورقة ممهورة، بل إكساب الطلاب المعرفة والقدرة على خدمة مجتمعهم: “لو لم يُعترف بشهاداتنا، عندما نرسل أبناءنا إلى المدارس هل نريد منهم ورقة ممهورة أم أن يتعلموا؟ لماذا نبحث عن اعتراف خارجي؟ ليبقى أبناؤنا هنا ويساهموا في بناء وطنهم، لا أوطان الآخرين.” تصريحات خليل كرست مخاوف الأهالي على مستقبل أولادهم، وأكدت على نية الإدارة في الاستقلال التعليمي حيث تعكس هذه التصريحات رؤية الإدارة الذاتية للتعليم كوسيلة لتعزيز الاعتماد الذاتي المحلي وتشجيع الطلاب على المشاركة في تنمية المجتمع، بعيدًا عن البحث عن الاعتراف الخارجي بالشهادات .
في المقابل، يرى البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني أن إغلاق المدارس المسيحية جاء نتيجة رفضها تطبيق المناهج الجديدة: “المدارس التي تديرها الكنيسة مقفلة لأن عناصر الإدارة الذاتية أقفلوها لرفض اعتماد المنهاج. نحن نصرّ على البقاء مرتبطين بوزارة التربية في دمشق، لأن الطلاب سيتخرجون للجامعات السورية، وهذه قضية حساسة جدًا.” وأكد المطران مار موريس عمسيح أن المدارس التابعة للأبرشية لن تعتمد سوى المنهاج السوري الرسمي المعترف به دوليًا، مشيرًا إلى أن فرض مناهج غير معترف بها يهدد مستقبل الطلاب وتراخيص المدارس. وأضاف أن عودة التعليم ممكنة فقط باعتماد المنهاج السوري الموحد وترخيص رسمي من وزارة التربية، وأن الأبرشية متمسكة بالنهج الوطني للحفاظ على وحدة المجتمع السوري وحماية مستقبل أجياله.
وأصدرت الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان بيانًا حذرت فيه من التداعيات الديمغرافية المحتملة، مؤكدة أن القرار قد يدفع الأسر المسيحية، خصوصًا السريان الآشوريين والأرمن، إلى مغادرة منطقة الجزيرة بحثًا عن تعليم معترف به لأبنائهم. ودعت الشبكة الإدارة الذاتية إلى التراجع عن القرار، والسماح للكنائس بالإشراف على مدارسها الخاصة، ووقف تسييس التعليم، مع إطلاق حوار مباشر لإيجاد حلول عملية ومستدامة.
الأجندة الإيديولوجية والآراء حول المناهج
رصدت منصة INT مجموعة متنوعة من الآراء والمواقف حول هذه القضية، حيث لا يقتصر رفض مناهج الإدارة الذاتية على المكون المسيحي فقط، بل ترتفع الكثير من الأصوات المعارضة لهذه المناهج من مختلف مكونات المنطقة بما فيهم الكرد. أبرز الانتقادات الموجهة لمناهج الإدارة الذاتية يتعلق بما يُعتبر أدلجة سياسية في بعض المواد الدراسية، مثل احتواء بعض الكتب على صور عبد الله أوجلان، ورموز لحزب العمال الكردستاني . ويرى المنتقدون أن هذه المكونات الإيديولوجية قد تمجّد رموزًا حزبية وتفرض رؤية سياسية على الطلاب، بينما يرى المدافعون عن المناهج أن الهدف هو تنمية الوعي المدني والسياسي لدى الطلاب وتعريفهم بفكر الإدارة الذاتية والمجتمع الديمقراطي .
و يشكل أيضاً الخوف على مستقبل الطلاب الأكاديمي بسبب عدم الاعتراف بالشهادات رسميًا في سوريا أو خارجها، عاملاً مهماً مقلقاً فقد يقيّد إمكانية التحاقهم بالجامعات وسوق العمل. وانتقد البعض المعاملة غير المتكافئة، حيث أشاروا إلى أن بعض قيادات الإدارة يدرسون أولادهم المناهج الرسمية بينما يُجبر الآخرون على دراسة المناهج الجديدة . حتى النقاط التي تُعد بأنها إيجابية في مناهج الإدارة ،مثل تعزيز التسامح الديني والتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى، والتركيز على حقوق المرأة والطفل والمساواة بين الجنسين، وتنمية قيم المشاركة المجتمعية والمسؤولية المدنية، تواجه انتقادات في المجتمعات المحافظة، حيث يعتبر بعض السكان أن التركيز على هذه القيم يتعارض مع الأعراف والتقاليد المحلية.
يعكس صراع المناهج في شمال وشرق سوريا تقاطعات معقدة بين السياسة، الدين، التعليم والديموغرافيا. بين فرض الإدارة الذاتية للمناهج وحرص أهالي الطلاب على المنهاج السوري المعترف به، يبقى مستقبل الطلاب رهين قدرة الأطراف على التوصل إلى حل متوازن يحافظ على الحقوق التعليمية وسط صراع الهويات والتجاذبات السياسية في سوريا في ظل السلطة الجديدة .
اترك رد