السوريات والسوريون في سوق العمل الألماني

بدأت الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، وأدت إلى موجة لجوء ضخمة، أسفرت عن وجود نحو مليون سوري وسورية يعيشون اليوم في ألمانيا. ومع سقوط نظام الأسد في بداية كانون الأول 2024، اشتعل النقاش العام والسياسي حول مصير السوريين المقيمين في ألمانيا. وقد أدت التوقعات بشأن استقرار الوضع في سوريا إلى جدل حول العودة، ركز بالأساس على قضايا الاندماج في سوق العمل. ففي هذا السياق، صرّح المستشار الألماني آنذاك أولاف شولتس بعد وقت قصير من سقوط الأسد: “من يعمل هنا ومن يندمج بشكل جيد، فهو موضع ترحيب في ألمانيا وسيبقى كذلك.”

العدد ووضع الإقامة

وفقا لسجل الأجانب المركزي، كان يعيش في ألمانيا في نهاية عام 2023 ما مجموعه 972,460 شخصا يحملون الجنسية السورية، وهو ما يعادل نحو 1.2٪ من إجمالي عدد السكان. وبهذا يشكل السوريون ثالث أكبر مجموعة من الأجانب في ألمانيا بعد الأتراك (1,548,095 شخصا) والأوكرانيين (1,239,705 شخصا). وتبلغ نسبتهم من إجمالي السكان الأجانب نحو 7٪.

يُضاف إلى ذلك حوالي 160,000 سوري وسورية تم تجنيسهم في الفترة بين 2015 و2023. وتشمل شروط التجنيس إتقان اللغة الألمانية، والاعتماد على الذات ماديا، والإقامة القانونية لمدة خمس سنوات على الأقل، يمكن تقليصها إلى ثلاث سنوات في حالات اندماج استثنائية. ويعيش معظم من هم من أصول سورية في ولاية شمال الراين-وستفاليا (نحو 374,000 شخص أو ما يعادل 29٪). ويعيش حوالي 11٪ منهم في ولاية سكسونيا السفلى، تليها بافاريا وبادن فورتمبيرغ (9٪ لكل منهما).

في تاريخ 31 كانون الأول 2023، كان من بين قرابة المليون سوري وسورية في ألمانيا نحو 712,000 مصنفين كطالبي حماية. أما الباقون، أي أكثر من 250,000 شخص، فلديهم تصاريح إقامة لأسباب مثل العمل أو التدريب المهني أو أسباب عائلية. ويملك حوالي 624,000 شخص من طالبي الحماية (88٪) وضع حماية معترف به، في أغلب الحالات ضمن إطار حماية اللاجئين حسب اتفاقية جنيف (279,000 شخص، أي 39٪) أو الحماية الفرعية (240,000 شخص، أي 34٪). تُمنح الحماية الفرعية عندما لا يمكن منح صفة لاجئ أو حق اللجوء، ولكن توجد تهديدات جدية في بلد الأصل. هناك حوالي 81,000 شخص (11٪) لا يزال وضعهم قيد الدراسة، بينما رُفضت طلبات نحو 7,000 شخص (1٪)، وذلك لأسباب منها الرفض الرسمي لطلب اللجوء أو فقدان صفة الحماية. ومن بين 624,000 سوري وسورية الذين يتمتعون بوضع حماية معترف به، فإن 90٪ منهم يحملون هذا الوضع بشكل مؤقت.

جاء معظم السوريين إلى ألمانيا خلال موجة اللجوء الكبرى بين عامي 2014 و2016، إذ لم تكن الهجرة من سوريا إلى ألمانيا ذات شأن يُذكر قبل ذلك. وبدأت أعداد الوافدين تقل في عام 2016، نتيجة إجراءات متعمدة لتقليل عبور الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، مثل إغلاق ما يُعرف بطريق البلقان والاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. ورغم ذلك، بقي السوريون منذ 2014 في صدارة الجنسيات الأكثر وصولا إلى ألمانيا.

في عام 2024، تقدم 76,765 سوريا بطلب لجوء في ألمانيا، ما يمثل نحو ثلث جميع طلبات اللجوء المقدمة في البلاد، مما يجعلهم أكبر مجموعة بين إجمالي 213,499 طالب لجوء. وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أوقف المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين مؤقتا معالجة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين، وهو ما يؤثر وفقا لتقارير إعلامية على نحو 50,000 طلب تم تقديمها في عام 2024. وبالتالي لا يمكن حتى الآن التنبؤ بكيفية تطور أعداد طلبات اللجوء من السوريين في السنوات القادمة.

منذ عام 2012، لم تُنفذ أي عمليات ترحيل إلى سوريا بسبب الوضع الأمني هناك. ولا يزال من غير المعروف كيف سيتطور الوضع لاحقا. وفي بداية عام 2025، أطلقت الحكومة الألمانية برنامجا للعودة الطوعية للسوريين في ألمانيا، إلا أن تقارير إعلامية تشير إلى أن 40 شخصا فقط قد عادوا إلى بلادهم حتى 16 شباط 2025.

التركيبة العمرية والتعليم

يُعد متوسط عمر السكان السوريين في ألمانيا، والذي يبلغ 26.2 سنة، أقل بكثير من متوسط عمر السكان الإجمالي في ألمانيا البالغ 44.6 سنة. كما يُلاحظ وجود تفاوت واضح في توزيع الجنسين داخل هذه المجموعة، إذ يشكل الذكور حوالي 60٪، بينما تشكل الإناث نحو 40٪. ويبلغ عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و65 عاما, أي في سن العمل, حوالي 70٪ (670,985 شخصا) من إجمالي السوريين في ألمانيا، بينما تبلغ هذه النسبة في عموم السكان في ألمانيا 81٪. ومن المتوقع في السنوات القادمة أن يصل عدد كبير من السوريين إلى سن العمل، في الوقت الذي سيتقاعد فيه عدد متزايد من المواطنين الألمان.

أما على صعيد التعليم، فإن مستوى المؤهلات التعليمية لدى المهاجرين السوريين أقل في المتوسط من مستوى السكان الألمان، وكذلك من مستوى مجموعات مهاجرة أخرى. كما أن اللاجئين يعانون غالبا، وخصوصا في السنوات الأولى بعد وصولهم، من ضعف في مهارات اللغة الألمانية، والتي يكتسبونها تدريجيا مع مرور الوقت. ووفقا لبيانات الإحصاء لعام 2023، لم يكن لدى 24٪ من الأشخاص القادمين من سوريا، ممن لم يكونوا ملزمين بالتعليم المدرسي أو غير منخرطين في برامج تدريبية، أي شهادة مدرسية، مقارنةً بنسبة 4٪ فقط في عموم السكان في ألمانيا.

نسبة الأطفال والشباب ومستوى التعليم

نسبة السوريين في ألمانيا الذين إما لا يزالون دون سن التعليم الإجباري بسبب صغر سنهم، أو ما زالوا على مقاعد الدراسة، تبلغ 40٪، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بمتوسط السكان العام في ألمانيا، حيث تبلغ هذه النسبة 18٪ فقط. ويمثل ذلك من الناحية الديمغرافية إمكانات كبيرة لتأهيل وتوفير كوادر مهنية مؤهلة في المستقبل.

من بين السوريين الحاصلين على شهادة مدرسية، يمتلك 24٪ شهادة تعادل البكالوريا الألمانية أو شهادة الثانوية التقنية، بينما يمتلك 8٪ شهادة بمستوى الثانوية المتوسطة و10٪ شهادة بمستوى شهادة المرحلة الأساسية. وهذه النسب أقل بكثير مقارنةً بالسكان الإجمالي في ألمانيا. ولذلك، فإن إدماج اللاجئين السوريين في سوق العمل غالبا ما يتطلب استثمارات إضافية في مجال التعليم والتأهيل.

توزع السوريين في ألمانيا بحسب الشهادات التي يحملونها

نوايا البقاء

في أحدث استطلاع للرأي حول نوايا البقاء أُجري في عام 2022، أعرب 94٪ من اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى ألمانيا بين عامي 2013 و2019 عن رغبتهم في البقاء الدائم في البلاد. ومع ذلك، تم جمع هذه البيانات في ظل ظروف سادت في سوريا حتى وقت قريب، من حرب وأعمال عنف واضطهاد, وبالتالي لا يمكن إسقاطها مباشرة على الوضع الحالي بعد سقوط نظام الأسد.

لا يزال من غير الواضح كيف ستتطور نوايا البقاء في ظل الظروف السياسية والإنسانية الجديدة في سوريا. فمن المحتمل أن تتغير هذه النوايا إذا ما استقرت الأوضاع في البلاد وأصبحت العودة خيارا آمنا للسوريين. إلا أن التجربة تشير إلى أن رغبة العودة تتناقص عموما مع طول مدة الإقامة في الخارج.

علاوة على ذلك، تلعب الأطر القانونية دورا مهما في التأثير على نوايا البقاء. فعلى سبيل المثال، يتمتع مواطنو دول الاتحاد الأوروبي بحق العودة إلى ألمانيا حتى بعد رجوعهم إلى بلادهم الأصلية، مما يؤدي غالبا إلى معدلات عودة أعلى. وإذا ما طُبّق هذا المفهوم على السوريين الحاصلين على الجنسية الألمانية، فقد يكونون أكثر استعدادً للعودة المؤقتة أو الدائمة إلى سوريا، نظرا لإمكانية عودتهم إلى ألمانيا في أي وقت. أما السوريون الذين ما زالوا يحملون الجنسية السورية ولا يملكون وضعا قانونيا مستقراً في ألمانيا، فإن قرار العودة يمثل مخاطرة كبيرة، ما يعزز رغبتهم في البقاء.

سوق العمل

مع تزايد الهجرة السورية إلى ألمانيا خلال السنوات العشر الماضية، ازدادت أيضا أهمية السوريين في سوق العمل الألماني بشكل كبير. ففي حين كان عدد السوريين العاملين في وظائف خاضعة للتأمين الاجتماعي في يونيو 2014 لا يتجاوز 8,110 أشخاص، ارتفع هذا العدد في يونيو 2024 إلى 224,940 شخصا. وهذا يُظهر بوضوح أن السوريين، الذين قدم معظمهم لأسباب إنسانية، يندمجون بشكل متزايد في سوق العمل الألماني.

تطور نسبة عدد العاملين بين اللاجئين السوريين مقارنة بعددهم بين عامي 2013 حتى 2023.

معدل التوظيف يُقصد به نسبة السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و65 سنة ويعملون في وظيفة خاضعة للتأمين الاجتماعي. في عام 2023، بلغ هذا المعدل بين السوريين في ألمانيا 31.9٪. بعد أن انخفض قليلا في عامي 2015 و2016 بسبب موجة اللجوء الكبيرة (التي لا تسمح باندماج سريع في سوق العمل)، بدأ هذا المعدل بالارتفاع بشكل واضح منذ عام 2017. لكن هذه الإحصائيات لا تعكس الصورة الكاملة للاندماج في سوق العمل، إذ إنها تحصي فقط السوريين الذين لا يحملون الجنسية الألمانية، ولا تشمل حوالي 160,000 سوري تم تجنيسهم بين عامي 2015 و2023 والذين اندمجوا غالبا بشكل جيد في سوق العمل. كما لا تشمل الإحصاءات العاملين لحسابهم الخاص أو الموظفين في القطاع الحكومي، رغم أن عدد هؤلاء بين السوريين يبقى ضئيلا.

الاندماج المهني للاجئين عادة ما يكون أبطأ من مجموعات الهجرة الأخرى، لكنه يتحسن مع طول مدة الإقامة. ففي السنة الأولى بعد الوصول، كان فقط 6٪ من اللاجئين السوريين يعملون، لكن بعد سبع سنوات وصلت هذه النسبة إلى 61٪ (بما يشمل العمل الجزئي والعمل الحر… إلخ). لذلك، من المتوقع أن يستمر معدل التوظيف بين السوريين في الارتفاع تدريجيا ليقترب من معدل السكان العام في ألمانيا، والذي بلغ 77.2٪ في عام 2023. كما أن استقرار الوضع في سوريا وتراجع عدد اللاجئين قد يُسهم في تسريع هذا الاندماج.

الفجوة بين الجنسين

يوجد تفاوت كبير بين الرجال والنساء السوريين في سوق العمل الألماني. ففي يونيو 2024، شكّل الرجال 84٪ من السوريين العاملين بوظائف خاضعة للتأمين الاجتماعي. رغم أن الرجال يشكلون غالبية السوريين في سن العمل بألمانيا، تبقى نسبة مشاركة النساء في العمل منخفضة جدا. إذ بلغت نسبة السوريات العاملات 14٪ فقط، مقارنة بـ 44.8٪ للرجال. للمقارنة، تبلغ هذه النسبة في باقي الأجانب 41.5٪ للنساء و56.4٪ للرجال.

تعود هذه الفجوة لعدة أسباب منها:

  • قيام السوريات في ألمانيا بأعباء الرعاية الأسرية بشكل يفوق المعدل العام.
  • ضعف الاستثمار في تعلّم اللغة والتعليم مقارنة بالرجال.
  • ضعف مشاركة النساء السوريات في سوق العمل أصلا في سوريا.
  • عمل الكثير منهن في مجالات خاضعة لشروط صارمة في ألمانيا مثل التمريض والتعليم.

الوظائف التي تعاني من نقص في اليد العاملة

رغم أن السوريين لا يمثلون سوى 0.6٪ من العاملين بوظائف خاضعة للتأمين في ألمانيا (حتى يونيو 2024)، فإنهم يلعبون دورا مهما في عدد من القطاعات التي تعاني من نقص شديد في اليد العاملة.

من بين أكثر من 213,000 سوري يعملون في وظائف رسمية، هناك أكثر من 80,000 يعملون في “الوظائف الحرجة” أو “التي يصعب إيجاد موظفين لها”. وتشمل هذه المهن:

  • التمريض والرعاية الصحية والاجتماعية
  • التعليم
  • المهن اليدوية المتعلقة بالمناخ والطاقة مثل الكهرباء، التدفئة، التبريد، السباكة، والميكانيك.

في مجال الكهرباء على سبيل المثال، تبقى 80٪ من الوظائف الشاغرة غير مشغولة، وهناك نقص يقدّر بـ 18,000 عامل مؤهل على مستوى ألمانيا. أيضا، يعمل حوالي 5,300 سوري كأطباء وأطباء مساعدين، ما يشير إلى مساهمة ملموسة في القطاعات الحيوية.

التدريب المهني (Ausbildung)

شهدت مشاركة السوريين في التدريب المهني تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة. ففي عام 2010، بدأ فقط 102 سوري في نظام التدريب المزدوج. أما في 2023، فقد ارتفع هذا العدد إلى 6,885، ما يمثل:

  • 11.5٪ من جميع المتدربين الأجانب.
  • 45.5٪ من المتدربين اللاجئين.

وهذا يُعد نسبة عالية مقارنة بحصتهم من السكان الأجانب (7٪ من الأجانب و22٪ من طالبي الحماية)، ويمكن تفسير ذلك بالبنية العمرية الشابة للسوريين. لكن توجد فروقات بين الجنسين:

  • عدد الرجال السوريين في التدريب المهني ارتفع بسرعة بعد 2015، وبلغ ذروته في 2018، ثم بدأ بالانخفاض.
  • عدد النساء ارتفع ببطء ولكن بشكل مستمر حتى 2022، ومن ثم بدأ بالاستقرار.

هذا قد يعني أن النساء السوريات يحتجن وقتا أطول للدخول إلى نظام التدريب، إما بسبب ظروف الاندماج أو ضعف الخلفية التعليمية وضرورة إكمال الشهادات المدرسية أولًا.

أكثر عشر تخصصات في التدريب المهني شعبية بين السوريين: مجال تقنية إصلاح السيارات (840), موظف في مجال تقنية طب الأسنان (780), مهنة الحلاقة (780), مهن ذات علاقة بالمبيعات (423), مهن تتعلق بتقنيات التدفئة والبيئة (405), مهن تتعلق بتمديدات الكهرباء (396), مهنة العمل كمساعد غير متخصص للأطباء (293), مهن العمل المكتبي والسكرتارية (204), مهن العمل في بيع المنتجات الصيدلية (150), مهنة الدهان (132).

في السنوات الأخيرة، كانت المهن في مجال تقنية السيارات هي الأكثر جذبا للمتدربين السوريين، حيث تم توقيع 840 عقد تدريب جديد فيها، تليها مهنة موظفي طب الأسنان، ومهن في مجال تصفيف الشعر، بعدد 780 عقدًا جديدًا لكل منها. بالإضافة إلى ذلك، يتجه العديد من الشباب السوريين إلى العمل في مجالات البيع، وكذلك في مجالات تقنية السباكة والتدفئة والتكييف.

كما بدأ حوالي 400 شاب سوري تدريبهم المهني في مجال الكهرباء في البناء، وهي مهنة أصبحت ذات أهمية متزايدة في ظل التوسع في مصادر الطاقة المتجددة. العديد من المهن التي يُقبل عليها السوريون تُعد من مهن النقص في سوق العمل . وقد ارتفعت نسبة الشباب السوريين الذين يبدؤون تدريبهم المهني في مهن تعاني من نقص في الأيدي العاملة بشكل ملحوظ منذ عام 2010. ففي ذلك العام، بلغت النسبة 13.8% فقط، بينما ارتفعت في عام 2023 إلى 75.7%. ويُعزى ذلك جزئيا إلى أن المزيد من المهن أصبحت تعاني من نقص في الأيدي العاملة نتيجة النقص العام في الكوادر المؤهلة.

وبالرغم من أن النسبة ارتفعت بين جميع الفئات الأخرى، بما في ذلك الألمان، والأجانب، واللاجئين، فإن نسبة السوريين الذين يعملون في “مهن النقص” كانت الأعلى مقارنة بجميع الفئات السكانية الأخرى حتى بداية جائحة كورونا في عام 2020. ومنذ عام 2021، أصبحت هذه النسبة أقل قليلاً من بقية المجموعات.

الدراسة الجامعية

يتزايد عدد الشابات والشباب السوريين الذين يتجهون نحو الدراسة الجامعية في ألمانيا. فمنذ عام 2015، ارتفع عدد الطلاب السوريين في الجامعات الألمانية بشكل ملحوظ. ففي الفترة من 2005 إلى 2015، ارتفع العدد من 1,616 إلى 2,889 طالبا فقط. أما في الفصل الشتوي 2023/24 فقد بلغ عدد الطلاب السوريين 20,710، وكان أعلى رقم في الفصل الشتوي السابق (2022/23) بـ21,393 طالبا.

ونظرا لأن هذا الرقم يشير إلى العدد الإجمالي للطلاب السوريين في جميع الفصول الدراسية، فلا يمكن مقارنته مباشرة بعدد عقود التدريب المهني الجديدة. وللحصول على مقارنة أوضح بين الدراسة والتدريب، يمكن النظر إلى العدد الإجمالي للسوريين في نظام التدريب المزدوج، الذي بلغ 17,000 في 31 كانون الأول 2023. وفي المقابل، كان عدد الطلاب في الجامعات 20,700 فقط، أي أكثر بقليل. ومن المهم ملاحظة أن مدة الدراسة عادة ما تكون أطول من مدة التدريب المهني، ما يفسر ارتفاع عدد الطلاب.

أما بالنسبة للألمان، فالوضع مختلف تماما؛ إذ يوجد أكثر من مليون ألماني في التدريب المهني المزدوج، مقابل 2.4 مليون طالب جامعي، أي أن عدد الطلاب الجامعيين يعادل تقريبا 2.5 مرة عدد المتدربين. أما بين السوريين، فإن العددين متقاربين، ما يدل على أن السوريين يتجهون إلى التدريب المهني بشكل أكبر نسبيا مقارنة بالألمان.

وبما أن المهن ذات المستوى المؤهل (Fachkräfte) هي الأكثر تأثرا بنقص العمالة، فإن الإقبال الكبير من السوريين على التدريب المهني المزدوج يعكس أهمية دورهم في سد هذا النقص.

الخاتمة

الهجرة بسبب اللجوء تختلف جوهريا عن هجرة العمالة، لأنها لا تتبع منطقا اقتصاديا بحتا، بل منطقا إنسانيا. فالفارّون من النزاعات يهاجرون في المقام الأول طلبا للحماية، وليس للعمل. وهذا يترتب عليه ضرورة تعديل التوقعات بشأن سرعة اندماجهم في سوق العمل.

على عكس العمال المهاجرين، فإن اللاجئين غالبا لا يكونون مستعدين بشكل مثالي لسوق العمل في الدولة المضيفة؛ إذ يعانون من نقص في مهارات اللغة، وغياب للشبكات الاجتماعية، وافتقار إلى المؤهلات الرسمية. كما أن الاعتراف بالشهادات الأجنبية يكون غالبا غير محسوم، بالإضافة إلى آثار نفسية وجسدية ناتجة عن تجارب اللجوء. لذلك، لا ينبغي الخلط بين خطاب دمج اللاجئين في سوق العمل وخطاب هجرة الكفاءات. ولتحقيق اندماج ناجح للسوريين، يجب تبني منظور يركز على الموارد والكفاءات، وليس على النواقص. والسؤال الأساسي يبقى: ما هي المهارات التي يحملها اللاجئون، وكيف يمكن توظيفها بما يعود بالنفع على المجتمع المضيف؟

في ضوء حقيقة أن نمو التوظيف في ألمانيا يعتمد بشكل متزايد على الأجانب، وأن الحاجة إلى استقدام الكفاءات ما زالت قائمة، يجب توجيه السياسات بشكل يتيح استغلال إمكانات اللاجئين إلى أقصى حد.

مقترحات لتسهيل الاندماج:

  1. الاستمرار في دعم تعليم اللغة والتأهيل المهني، مع التركيز على الدورات المتخصصة في اللغة المرتبطة بسوق العمل. تقليص التمويل في موازنة 2025 المبدئية يعد خطوة في الاتجاه الخاطئ، خاصة مع إلغاء الدورات الخاصة بالنساء والآباء والشباب، وتقييد إمكانية إعادة حضور الدورات.
  2. ضرورة دعم النساء السوريات بشكل خاص، نظرا لانخفاض تمثيلهن في سوق العمل.
  3. الاستمرار في تقديم دعم لغوي بعد دخول سوق العمل، لتسهيل الاستقرار الوظيفي.
  4. تسريع إجراءات اللجوء وتقليل فترات الانتظار، إذ يبلغ متوسط المدة الكاملة للحصول على قرار نهائي حوالي 18.5 شهرا، ما يحد من القدرة على التخطيط سواء للاجئين أو لأرباب العمل.
  5. حل مشكلات التواصل مع دوائر الأجانب، وتسريع تجديد الإقامات، وتحسين عمليات الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية.
  6. تسهيل التعاون بين الجهات الألمانية المختصة ونظيراتها السورية، بما في ذلك المؤسسات الرسمية الجديدة هناك، من أجل تسريع الاعتراف بالمؤهلات.

خلاصة القول: تسريع عملية الاعتراف بالمؤهلات التعليمية والمهنية التي تم الحصول عليها في الخارج يُعد خطوة محورية نحو اندماج ناجح في سوق العمل الألماني، وهو أمر يعود بالنفع على الاقتصاد بأكمله.

المصدر

اترك رد

WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

اكتشاف المزيد من Independent News Team

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading