تحقيق صحفي حول أحد أكثر أنظمة القتل وحشية في القرن الحادي والعشرين: نظام بشار الأسد

كشف تحقيق استقصائي دولي، اعتماداً على مجموعة من وثائق وسجلات الاستخبارات السورية السرّية التي حصلت عليها هيئة الإذاعة الألمانية NDR وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، وشارك فيه 126 صحافياً من 26 جهة إعلامية، عن تسريب 134 ألف صورة ووثيقة من داخل أجهزة الاستخبارات والشرطة العسكرية في نظام بشار الأسد وارتباطاته بالحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية

استمر انجاز التحقيق أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا تحت حكم الأسد.

تمتد هذه الملفات لأكثر من ثلاثة عقود، من منتصف التسعينيات وحتى ديسمبر 2024، ومصدرها المخابرات الجوية السورية، ومديرية المخابرات العامة، وأجهزة أمنية أخرى. وتظهر الوحشية التي شملت التعذيب والعنف الجنسي.

تتضمن هذه المواد مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف العمليات اليومية لشبكة الأسد لشبكة المراقبة والاعتقال التابعة لنظام  الأسد، بالإضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب، مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات الأمم المتحدة العاملة داخل سوريا. وتتضمن مجموعة البيانات شديدة الحساسية أسماء أفراد سابقين في المخابرات السورية.

حصلت NDR وشاركت مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين وشركائه أكثر من 70 ألف ملف وصورة، بما في ذلك أكثر من 33 ألف صورة عالية الدقة، توثق بشكل مروع، وفاة أكثر من 10200 سجين سوري بشكل أساسي بين عامي 2015 و2024.

تُسلّط السجلات الضوء على سياسة دولة قائمة على الاعتقال الجماعي والإعدام. في عهد الأسد، اعتُقل واختفى ما لا يقل عن 160 ألف سوري، بينما كان النظام يسحق أي شكل من أشكال المعارضة خلال سنوات الحرب.

بعد سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بحثت العائلات في السجون ومشارح الجثث عن علامات تشير إلى اختفاء أقاربهم ــ فحصوا خطوط اليد على جدران الزنازين، وبحثوا في المقابر الجماعية، وقارنوا بين قطع الملابس ــ وفي كثير من الأحيان دون جدوى.

يكشف “ملف دمشق” كيف قلّل المسؤولون السوريون من قيمة الحياة البشرية في الأوراق الرسمية. معظم شهادات الوفاة التي وقّعها أطباء في مستشفيي حرستا وتشرين العسكريين، حيث كان يُرسل ضحايا التعذيب، كانت تُشير إلى “توقف القلب والتنفس” كسبب للوفاة.

يمثل كل ملف عائلةً تُركت في حيرة السؤال، وحياةً مُحيت، ونظامًا مُصممًا لإخفاء جرائم القتل الجماعي خلف واجهة إدارية. باستخدام هذه المجموعة من البيانات، قدّم شركاء “ملف دمشق” أدلةً للعائلات حول وفاة أقاربهم.

تُعدّ هذه المجموعة من الصور، أكبر مجموعة صور للمعتقلين السوريين يحصل عليها الصحفيون على الإطلاق. تُظهر الصور، التي التقطها مصورون عسكريون، معتقلين قضوا في مستشفيات وسجون النظام، وقد رُقِّمت جثثهم وفُهرست بدقة بيروقراطية. الرأي العام السوري ليس لديه علم بهذه الصور.

أجرى فريق من المراسلين من الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وشبكة شمال ألمانيا (NDR)، وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ تحليلاً معمقاً لعينة من مئات الصور.

أظهر التحليل أن غالبية الضحايا كانت تحمل علامات جوع وعلامات إيذاء جسدي. وكان العديد منهم عراة. تُظهر صور “ملف دمشق” أنه بعد وفاة كل سجين، نُقل السجناء وصوّروا وفهرسوا.

في معظم الحالات، كُتب رقم المعتقل على بطاقة بيضاء وُضعت على الجثة، أو كُتب بقلم على الذراع أو الساق أو الجذع أو الجبهة، أو وُضع فوق الصورة.

التقط مصور عسكري، يرتدي أحذية مطاطية أو أغطية جراحية تُستعمل لمرة واحدة على قدميه، صوراً للجثة من زوايا متعددة، ثم صنف الصور في مجلدات رقمية منظمة بدقة.

خلال سير التحقيق، علم فريق “ملف دمشق” أن الصور المشار إليها قد تمت مشاركتها بشكل مستقل مع السلطات الألمانية، التي قادت جهود مقاضاة أعضاء سابقين في نظام الأسد. وقد استخرج الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين وشبكة NDR الأسماء، وشاركت الشبكة المعلومات مع ثلاث كيانات أخرى لمساعدة الأسر في التعرف على أقاربهم المفقودين: مؤسسة الأمم المتحدة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا؛ والشبكة السورية لحقوق الإنسان؛ ومبادرة تعافي، وهي مبادرة تدعم الناجين من الاعتقال والتعذيب.

أموال الأمم المتحدة

تظهر الوثائق أيضًا كيف استفاد نظام الأسد من علاقاته مع وكالات الأمم المتحدة المخصصة لتقديم المساعدات للمدنيين السوريين. خلال الحرب، دفعت الوكالات ما لا يقل عن 11 مليون دولار لشركة أمنية سورية خاصة مكلفة بحماية مكاتب الأمم المتحدة – وهي الشركة التي تبين الآن أنها مملوكة وخاضعة لسيطرة أجهزة الاستخبارات التابعة للأسد.

وعلى الرغم من التحذيرات التي أطلقتها منظمات حقوق الإنسان في عام 2022 بشأن علاقات الشركة بالنظام، استمرت العقود لمدة عامين آخرين، مما أدى إلى تحويل ملايين الدولارات إلى نفس القوات المتهمة بتعذيب وقتل السوريين.

وتظهر مذكرة من بين الوثائق، من وزير الخارجية آنذاك فيصل المقداد، أن نظام الأسد كان يتوقع من موظفي شركات الأمن السورية مراقبة أفراد الأمم المتحدة نيابة عن المخابرات السورية.

يكشف الملف عن بنية غرف التعذيب في نظام الأسد بتفاصيل قاتمة. ويقدم أدلة جديدة على كيفية عمل مؤسسات الأسد الأمنية كآلة قتل موحدة، وكيف ساهمت اللامبالاة الدولية، وأنظمة المساعدات المعيبة، وتدفقات الأموال في استمرارها.

استناداً إلى الوثائق والسجلات المرتبطة بها، أعدّ الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) وشركاؤه قائمة مفصّلة بأصول رجل الأعمال السوري وعضو عائلة الأسد رامي مخلوف داخل سوريا وخارجها.

عن الصور

رجل يرقد على سطح معدني، هزيل جداً، ميت. صوِّر من زوايا متعددة: عن قرب، تظهر أسنانه المكسورة المصفرة؛ من الجانب، عيناه الغائمة كالزجاج المُعتّم؛ من بعيد، أعضاؤه التناسلية ظاهرة بالكامل، برقم 3659. رجل آخر، رقم 4038، ملقى في صندوق شاحنة، جسده العاري المنهك ملطخ بالدماء، الذباب يتغذى عليه. رقم 2389 طفل رضيع حديث الولادة.

صور أخرى تظهر جثثاً مكدسة كأكوام الحطب، أذرع وأرجل نحيلة جداً متشابكة بفوضى، أضلاع وعظام الترقوة والكتفين بارزة من كومة عظام. أفواه مفتوحة وعيون نصف مغمضة، أجسادهم المعذبة جاهزة للرمي. هذه البقايا الهيكلية هي النتيجة المروعة لآلة القتل التي أدارها بشار الأسد.

يسود صمت خانق، مريع، في هذه الصور وفي أكثر من 33,000 صورة أخرى عالية الجودة بشكل مؤلم لأشخاص – غالبيتهم العظمى رجال – اعتُقلوا وقتلوا على يد نظام الأسد بشكل رئيسي بين عامي 2015 و2024.

التقط المصورون العسكريون السوريون هذه الصور، تم تصوير أكثر من 10,200 سجين فردياً، بعض الأيام كان يُصوَّر فيها ما يصل إلى 177 جثة. كانت الصور تُرسل إلى المحاكم العسكرية حيث يوقّع قاضٍ على وفاة الضحية، مما يمنح عناصر نظام الأسد حصانة قضائية فعلية عن جرائمهم، وفقاً لضابط عسكري سابق كان يرأس وحدة حفظ الأدلة في الشرطة العسكرية بدمشق بين 2020 و2024.

هذا الضابط هو من سلّم الصور إلى مصدر ثم إلى NDR. وقال في مقابلة مع القناة الألمانية: «هناك أمور يجب أن يعرفها الناس… هناك عائلات بحاجة لمعرفة أين أحباؤهم وماذا حدث لهم».

بشار الأسد، الذي يعيش تحت حماية اللجوء في روسيا، حكم سوريا خلال 13 عاماً دموية، اندلعت شرارتها بموجة احتجاجات مناهضة للحكومة. في عهده، سعت السلطات إلى إخماد أي شكل معارض داخل البلاد، فخطفوا من اعتبروهم معارضين سياسيين، وقتلوهم في السجون بآلاف الحالات.

في حياتهم، كان المعتقلون يُعذَّبون بوحشية. وفي الموت كانوا يُعاملون بازدراء إضافي ويُحرمون من دفن كريم.

عن الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين / INT

اترك رد

WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

اكتشاف المزيد من Independent News Team

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading