تتذكّر الكاتبة “اليزابيث تسيركوف” سقوط بشار الأسد بوصفه أسعد يوم في حياتها، رغم أنها كانت آنذاك أسيرة لدى ميليشيا موالية لإيران.
انهار النظام السوري في اليوم 628 من اصل 903 ايام قضيتها في الاسر. من زنزانتي في قاعدة تابعة لميليشيا في العراق شاهدت التغطية الاخبارية لساعات وبكيت من الفرح. على مدى اربعة عشر عاما، منذ الايام الاولى لثورات الربيع العربي عام 2011، تابعت الانتفاضة السورية والحرب الاهلية التي تلتها. وعلى مر السنوات، ومع بناء شبكة علاقات مع سوريين عبر الانترنت ثم على ارض الواقع، تعمق ارتباطي العاطفي بالمكان وبالناس. تعلمت العربية، واصبحت خبيرة في شؤون بلاد الشام، وكنت اجري بحثا ميدانيا لاطروحة الدكتوراه عندما خطفني عناصر من كتائب حزب الله، وهي ميليشيا عراقية مدعومة من ايران، من احد شوارع بغداد. لا شيء في خلفيتي يفسر كيف وصلت، كامراة اسرائيلية مولودة في الاتحاد السوفيتي، الى ذلك المكان، ولا لماذا شعرت بارتباط عاطفي عميق بالسوريين ونضالهم.
كانت اول علاقاتي مع عرب غير فلسطينيين في اواخر 2008 عندما انضممت الى تويتر وبدأت اتابع ناشطين مؤيدين للديمقراطية في الشرق الاوسط، كثير منهم اصبحوا اصدقاء عبر الانترنت. وعلى مدى العقد التالي اتسعت شبكتي وازداد اهتمامي بسوريا. وبالتوازي، اصبحت ناشطة في حقوق الانسان. ومنذ عدة سنوات بدأت العمل على الدكتوراه في قسم العلوم السياسية في جامعة برينستون.
تابعت احتجاجات الربيع العربي منذ انطلاقها في تونس في اواخر 2010. امضيت ساعات اتابع بشغف حشود الرجال والنساء الشجعان وهم يواجهون خراطيم المياه والهراوات والرصاص والدبابات لاسقاط الانظمة الاستبدادية الفاسدة التي حكمتهم. نظرا لقمع نظام الاسد الوحشي، سالت اصدقائي السوريين عما اذا كانوا يعتقدون ان موجة الانتفاضات التي وصلت مصر والبحرين ستصل بلادهم. كانوا متشككين، مستشهدين بصدمة مجزرة حماة 1982 عندما حاصر جيش حافظ الاسد المدينة وقتل الالاف واخفى الالاف.
شعرت بان شكوكي تتحول الى امل في 17 شباط 2011 عندما شاهدت فيديو من صديق في دمشق يظهر احتجاجا في سوق الحريقة. كان عناصر الشرطة قد اعتدوا على صاحب متجر، فاندلعت مظاهرة عفوية يهتف فيها الدمشقيون “الشعب السوري ما بينذل”. كسر الناس حاجز الخوف. اندلعت احتجاجات جديدة في 15 آذار في دمشق و18 آذار في درعا، وانتشرت تدريجيا.
تابعت انتفاضات المنطقة. نجحت في تونس ومصر، فيما قمعت او خمدت في دول اخرى. لكن السوريين واصلوا التظاهر رغم قمع الاسد المتزايد. في البداية تابعت فقط سوريين يتكلمون الانجليزية، لكن مع استهداف النظام للنخب المتعلمة فقد قتل او اعتقل او فر كل من كنت أتابعهم. في 2014 قررت تعلم العربية لمتابعة الاخبار والتواصل مع من داخل البلاد.
بدأت اكتب بالعبرية والانجليزية لوسائل اعلام اسرائيلية. شاركت في مظاهرات امام السفارة الروسية في تل ابيب احتجاجا على دور روسيا في جرائم النظام، ونظمت حملات تبرع داخل اسرائيل وخارجها لمساعدة السوريين. توسعت دائرة معارفي داخل سوريا، وقتل او اعتقل بعضهم على يد النظام او الجماعات المسلحة او داعش او قوات سوريا الديمقراطية.
من خلال بحثي حاولت تضخيم اصوات السوريين الذين لا يصل صوتهم للاعلام، ولفت الانتباه الى ديناميات مهمشة. للمنتجين المعرفيين مسؤولية كبيرة كي لا يكرروا روايات النخب التي تخدم مصالح السلطة.
الحروب الاهلية تبدو من الخارج عميقة الانقسام، وهي كذلك، لكنني وجدت ان الناس يحملون مواقف معقدة. كتبت عن سوريين في مناطق المعارضة فقدوا الثقة بالثوار، ومقاتلين سابقين اصبحوا مرتزقة لدى قوات مدعومة من تركيا رغم كرههم لها. اجريت مقابلات مع علويين شعروا بانهم محاصرون بين النظام والمعارضة المتطرفة. تحدثت الى سوريين ابدوا الولاء للنظام علنا بينما كانوا يلعنونه سرا بسبب الفقر والجوع.
في 21 آذار 2023، واثناء عملي الميداني في العراق، خطفني عناصر كتائب حزب الله من احد شوارع بغداد. كتائب حزب الله فصيل موال لايران يتبع اسميا لرئاسة الوزراء لكنه يتلقى اوامره من قياداته وبالتاثير الكبير من قادة في الحرس الثوري الايراني.
في الاشهر الاربعة والنصف الاولى من اسري احتجزت في موقع اسود تابع للمليشيا على اطراف بغداد. عند وصولي، جردوني من ملابسي وفتشوني، فلاحظوا الوشوم على ذراعي التي تعبر عن دعمي للثورة السورية. كتائب حزب الله، بوصفها جماعة مدعومة من ايران، كانت معادية للمعارضة وداعمة للاسد. نقشت الوشوم في مدينة الصدر عام 2022. على ذراعي اليمنى وشم على شكل خريطة سوريا وكلمة حرية بالوان علم الثورة. وعلى كتفي اليمنى وشم بخط عربي صممه صديق سوري يقول “الثورة حق والحقوق لا تموت”. رفع هذا الشعار في اولى مظاهرات درعا 2011 وردده الناشط رائد الفارس الذي قتل 2018 ويعتقد اصدقاؤه ان هيئة تحرير الشام اغتالته.
في البداية لم يعرف الخاطفون انني اسرائيلية، اذ دخلت العراق بجواز روسي. ظنوا انني اجنبية جاءت للتحريض على الاحتجاجات. كانت الميليشيات المدعومة من ايران ترى ثورات ايران والعراق ولبنان وسوريا مؤامرات غربية.
ادعى الخاطفون انهم يمثلون الدولة العراقية وان لديهم ادلة تجسس، وطلبوا مني الاعتراف. زعموا امتلاك صور وتسجيلات لكنهم لم يعرضوها. خلال احد التحقيقات اظهر بعضهم معرفة دقيقة بحلب، حيث شاركت ميليشيات شيعية عراقية في حصارها عام 2016.
بعد شهر تمكن الخاطفون من الدخول الى هاتفي واكتشفوا جنسيتي الاسرائيلية، فبدؤوا تعذيبي لاستخراج اعترافات. حاولت اقناعهم بقراءة مقالاتي المنتقدة لاسرائيل لكنهم رفضوا. علقوني من يدي المكبلتين بطريقة تشبه تعذيب “التشبيح” في سوريا و”التعليق” في العراق، وضربوا ركبتي بعصا. سبب الضغط انزلاق فقرتين في ظهري. جلدوا قدمي فيما يعرف بالفلق، فاعاقني ذلك عن الجلوس والوقوف، فقضيت معظم الوقت مستلقية. قدمت اعترافات كاذبة لايقاف التعذيب.
ازدادت وحشية التعذيب لاني رفضت ذكر اسماء عراقيين قد يعاقبون. فادعيت انني تجسست وحدي. لم يصدقوا. بين الجلسات كنت اعزل لايام وانا جائعة، خائفة مما سيحدث. حاولت شغل وقتي بتخيل قصص يصدقونها والتفكير ببحثي، لكن ذلك صار اصعب.
كنت واثقة انهم لن يقتلوني لانهم يريدون فدية. لكن حين اشتد التعذيب شعرت انني قد افقد عقلي. كنت اشعر انني لن استعيد القدرة على الفرح. في تلك اللحظات جاء انقاذي من صديقين سوريين نجيا من تعذيب اسوأ بكثير. تذكرت حبهما لي وقدرتهما على النجاة والعيش والبحث، فاستعدت الامل. قبل ان انهار نقلوني الى سجن آخر وتوقف التعذيب.
بعد تحرري علمت ان احد صديقي المقربين، محمد حسن، فقد عمله في صحيفة المدن لانه نشر تعليقا داعما لي بعد خطفي.
في المنشاة الثانية، وهي قاعدة قرب الحدود الايرانية، امر قائد كبير بمعاملتي جيدا. اعطوني كتبا وطعاما وعناية. وفي نهاية 2023 اعطوني تلفازا يبث قنوات عربية منها قناة سوريا المعارضة. شاهدت احتجاجات ادلب ضد هيئة تحرير الشام، واحتجاجات السويدا اليومية.
فوجئت بهجوم المعارضة على حلب في تشرين الثاني 2024. خفت على المدنيين في ادلب. وعندما هربت الميليشيات الشيعية ادركت ان النظام سيسقط. كان الجيش السوري ضعيفا بلا دعم ايران وروسيا.
مع تقدم الثوار نحو دمشق، كنت ملتصقة بالشاشة، ابكي وانا اشاهد السوريين يعودون الى حمص وحماة بعد تهجير، واشاهد السجناء النحيلين يخرجون فرحين.
في ليلة 7-8 كانون الاول تابعت طوال الليل بانتظار تحرير دمشق. عندما ورد خبر اقتراب المعارضة من سجن صيدنايا، الذي وصفته منظمة العفو بالمسلخ البشري، شعرت بفرح لا يوصف. وقفت ابكي لساعات دون ان اشعر بألم ظهري.
في اليوم التالي وجد جثمان مازن الحمادة في مشرحة، وعليه علامات تعذيب شديد. كان صديقي. عرفته عندما حضر الى امريكا بعد الفيلم الوثائقي سوريا المختفية. واخر تواصل بيننا كان قبل عودته المفاجئة الى دمشق حيث اعتقل مجددا وتعرض لتعذيب مروع لاربع سنوات قبل ان يقتل بينما كانت دمشق تتحرر.
على مدى اسابيع بعد تحرير دمشق، ورغم بقائي اسيرة، عشت نشوة السوريين وهم يحتفلون ويعودون ويتحدثون بحرية.
لكن النشوة تلاشت. درست هيئة تحرير الشام لسنوات وتغير خطابها البراغماتي، لكن استبدادها ظل ثابتا. ظهر ذلك في اعلانها الدستوري لعام 2025 الذي ركز السلطة بيد الشرع. سبق ذلك مجازر الساحل في آذار 2025 ولحقته مجازر السويدا في تموز.
لم اصدم حين قتلت قوات الشرع مئات المدنيين العلويين. فقد اعتقد ضحايا النظام ان الطائفة العلوية كلها مشاركة في جرائم الاسد. وجاءت مجازر آذار ردا على هجوم واسع لمؤيدين للنظام السابق.
لكن مجزرة السويدا مختلفة. لم يكن الدروز موالين للنظام السابق. شاركوا في احتجاجات 2011 ورفضوا الخدمة العسكرية، واستقبلت السويدا مئات الالاف من النازحين السنة. وبعد تحرير النظام احتفلوا بالوحدة. لكن كل ذلك انهار.
كان غزو السويدا بآلاف الجنود والدبابات قرارا مخططا له من الحكومة. على خلاف مجازر الساحل التي جاءت كرد فعل مباشر. سبب الغزو فشل المفاوضات بين دمشق والشيخ حكمت الهجري. طالب الدروز بسلطة محلية حقيقية وتعديلات دستورية، ورفضت دمشق.
الاسوء ان الحكومة، بعد القصف الاسرائيلي الذي اوقف هجومها على السويدا، لم تتراجع، بل حرضت قبائل سنية لمهاجمة الدروز ووصفتهم بالخونة والعملاء.
كان غزو السويدا حدثا محطما للقلب. شاهدت المجزرة والشرخ العميق الذي خلقته بين السوريين. ورأيت ضربات اسرائيل لدمشق لاعادة الفوضى ومنع استقرار البلاد.
ومع ذلك يبقى 8 كانون الاول 2024 اسعد يوم في حياتي، اسعد حتى من يوم تحرري في 9 ايلول 2025. في يوم خروجي من الاسر كنت افكر فقط في دفتر ملاحظاتي الذي تركته في الزنزانة.
الحكومة السورية الجديدة تستجيب للضغط الشعبي وتهتم بالرأي العام، بخلاف نظام الاسد. وهي تستمد شرعيتها من ثورة 2011 التي طالبت بالحرية ونهاية الفساد والاستبداد. ولهذا ستتحفظ عن القمع الواسع. مهما حصل، سيكون ما ينتظر سوريا افضل من كوابيس عهد الاسد. بات للسوريين فرصة لصياغة مستقبلهم.
تخصص هذه المقالة لذكرى اصدقائي محمد القاسم الذي قتل في الغدفة 11 ايلول 2014، ورائد الفارس الذي قتل 23 تشرين الثاني 2018 في كفرنبل، ومازن الحمادة الذي قتل في صيدنايا وكاد يعيش ليرى تحرير سوريا. لعل سوريا التي تنهض من الرماد تستحق تضحياتهم.
اترك رد