
عندما يصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض يوم الاثنين، ويتبعه بعد خمسة أيام ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، فإن هذه الزيارات المتلاحقة لن تكون مجرد مجاملة دبلوماسية. هذا التسلسل يعكس تنسيقًا مباشرًا بين الرياض ودمشق – خطوة مشتركة لتخفيف العزلة عن سوريا والضغط على الكونغرس الأمريكي من أجل إعفائها من العقوبات.
كما تمثل هذه الزيارات مقامرة غير مسبوقة. فقبل أقل من عام، كان الشرع يقود هيئة تحرير الشام، وهي ميليشيا إسلامية ذات جذور من الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وكان يقاتل بزِّي عسكري من معقل المعارضة في إدلب. أما اليوم، فهو يحكم من دمشق مرتديًا بذلة، ويطرح قوانين الاستثمار على الممولين، ويبحث عن دور في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش.
لم يزر أي رئيس سوري واشنطن منذ أكثر من 80 عامًا. ولم يسبق لأحد أن انتقل من قائد جهادي إلى ضيافة رئاسية في أقل من 12 شهرًا.
بدأ هذا التحول في الرياض. ففي 10 مايو، سافر الرئيس ترامب إلى المملكة العربية السعودية، ووفقًا للمبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، فإنه قال للقادة العرب: “أعطوا هذا الرجل فرصة”. هذه المنحة الرئاسية، التي قُدمت بحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حددت معالم ما تلاها – تمويل سعودي يدعم غطاءً دبلوماسيًا أمريكيًا، مع قيادة الرياض لجهد إعادة الدمج الإقليمي وتقديم واشنطن للشرعية السياسية.
في حوار المنامة يوم الأحد – وهو مؤتمر عالمي سنوي للأمن والجيوسياسية يقام في مملكة البحرين – أعلن السيد باراك اكتمال مرحلة الانتقال في سوريا. وقال للمسؤولين والدبلوماسيين الخليجيين: “لا يوجد بديل لسوريا – سوى الدمج”. ونقل توجيه السيد ترامب: “انتقلت سوريا من حرب العصابات والزِّي العسكري إلى رجال الدولة مع 25 مليون نسمة – بلد جديد، فرصة جديدة”.
وتابعت إدارة ترامب هذا الأسبوع بتجديد دعواتها لأعضاء الكونغرس المشككين لدعم الرئيس في رفع العقوبات المتبقية على سوريا (وهو يمتلك بالفعل الأصوات اللازمة في مجلس الشيوخ)، وبالضغط على الأمم المتحدة لرفع القيود المفروضة على الشرع وأعضاء حكومته، وفقًا لمسودة قرار اطّلعت عليها رويترز الثلاثاء.
وقال مصدر مطلع: “هذا كله مُنَظَّم – مُنسَّق بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والسفير باراك. زيارة الشرع ستُعالج شرط واحد من شروط الكونغرس لإلغاء قانون قيصر: الانضمام إلى التحالف ضد داعش. الخطوات المتبقية ستأتي عندما يصل ولي العهد بعد أسبوع”.
وضع الكونغرس ستة شروط لإلغاء قانون قيصر، وهو العقوبة الأمريكية الرئيسية المتبقية على سوريا والتي حجَّمت وصولها للنظام المصرفي وخنقت تمويل إعادة الإعمار منذ 2019. وتأمل إدارة ترامب أن تمنح الزيارتان المزدوجتان غطاءً كافيًا – تعاون مكافحة الإرهاب من دمشق، وضمانات إقليمية من الرياض – لإسقاط التشريع وإطلاق مليارات الاستثمارات.
وقال السيد باراك لجمهور المنامة إن واشنطن قد “رفعت العقوبات – باستثناء قانون قيصر، وهو الأخير الذي سيُلغى”. سيستعرض السناتور ماركو روبيو قانون قيصر مع نهاية العام، مما يجعل زيارتي نوفمبر الفرصة الأخيرة للإدارة لكسب دعم الكونغرس قبل وقت اتخاذ القرار.
لكن الطاقة الدافعة لهذه السياسة تأتي بالكامل من الرياض، وليس من واشنطن. فقد أقنع ولي العهد محمد بن سلمان السيد ترامب برفع العقوبات في مايو. وسددت المملكة العربية السعودية متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، وقدمت تعهدًا بدعم رواتب القطاع العام لشهور، وتفاوضت على عقود البنية التحتية.
والآن، يُرَتِّب ولي العهد زيارة الرئيس السوري للبيت الأبيض وزيارته الخاصة بعد ذلك بخمسة أيام – دفعة منسقة مصممة لمنح الكونغرس غطاءً سياسيًا مع إظهار الالتزام السعودي بمليارات الاستثمارات الموعودة. بينما تضغط الرياض على واشنطن لتخفيف العقوبات عن دمشق، فإنها تقدم أيضًا طلبًا كبيرًا للأسلحة. فقد اجتاز عرض المملكة العربية السعودية لشراء ما يصل إلى 48 طائرة مقاتلة من طراز إف-35 عائقًا رئيسيًا في البنتاغون، كما أفادت رويترز في خبر حصري الثلاثاء، مما يبرز كيف أن حملة التحديث العسكري للمملكة تتماشى مع امتدادها الدبلوماسي.
الحجة الاقتصادية
قال عبد الحفيظ شرف، رجل أعمال سوري-أمريكي عاد للتو من دمشق مع مستثمرين أمريكيين، إن دور المملكة العربية السعودية يتجاوز الدبلوماسية. وأخبر واشنطن تايمز: “المملكة العربية السعودية هي الضامن للنظام السوري الجديد في الوقت الراهن. أقنع محمد بن سلمان الرئيس ترامب برفع العقوبات. إنهم يقدمون الدعم السياسي، ويساعدون في رفع العقوبات، ويعيدون إشراك سوريا مع العالم، واستثمارات ضخمة قادمة قريبًا جدًا”.
في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض الشهر الماضي، ظهر الشرع مع دونالد ترامب الابن وولي العهد الأمير محمد لعرض قوانين الاستثمار المعدلة في سوريا على الممولين العالميين. يشكل السعوديون مجلس أعمال سوري سعودي ويقدمون معاهدات تأمين وحماية للاستثمار للشركات الراغبة في دخول السوق السورية.
التزمت الرياض والدوحة معًا بتسديد الديون الدولية لـ سوريا وتمويل مشاريع إعادة الإعمار.
وقال السيد شرف إن سياسة الإدارة تجاه سوريا ترتكز على أربعة أركان: الاستقرار الإقليمي، والحد من النفوذ الإيراني، وفتح سوق سوريا، وتأمين المعادن الأرضية النادرة. وقال: “الشرق الأوسط يحوي 9 تريليونات دولار من الاستثمارات و 30% من موارد العالم”.
الشركات الأمريكية تتحرك. قال السيد شرف إن شركات الاستثمار الخاصة ذهبت معه إلى سوريا لاستكشاف البنية التحتية والطاقة والسلع الاستهلاكية. وقال: “هذا ليس مجرد أموال خليجية – رأس المال الأمريكي يتدفق أيضًا”.
حُجَّة إعادة الإعمار تعيد صياغة الماضي الجهادي للشرع ليكون مكسبًا بدلًا من أن يكون عبئًا. وقال السيد شرف: “السيد الشرع ونظامه هزما الإيرانيين والميليشيات الإيرانية في سوريا فعليًا، وأخرجوهم وقطعوا الشريان الذي كان يمد حزب الله في لبنان. هذا مصلحة مشتركة بين سوريا والولايات المتحدة”.
الدعم السعودي للشرع تشاركه تركيا، التي لعبت دورًا حاسمًا في صعوده. وقال السيد باراك: “تركيا كانت مسؤولة عن تمكُّن السيد الشرع من السيطرة. كل من تركيا والسعودية يلعبان الآن بشكل جيد معًا في ساحة اللعب، قائلين إننا نحتاج هذه اللوحة الفسيفسائية لسوريا كي تعمل”.
أفاد السيد باراك عن تقدم في دمج قوات قسد التي تسيطر على الشمال الشرقي. وقال: “المحادثات مع قوات سوريا الديمقراطية وإدماجهم تسير بشكل مذهل”.ومع ذلك، لا يشارك الجميع في سوريا تفاؤل السيد باراك.
قال جعفر خضور، أكاديمي وسياسي سوري في دمشق، إن القوى الخارجية تتحكم الآن في معظم الملفات العالقة. وأخبر واشنطن تايمز: “الأطراف الدولية استولت على ملف السويداء، بينما تشارك الولايات المتحدة وفرنسا في ملف قسد. التوسع التركي في سوريا يثير مخاوف جدية أيضًا حول استقرار سوريا، خاصة مع وجود الاحتلال الإسرائيلي”.
وراء الحديث الاقتصادي تكمن صفقة أكثر صعوبة: التطبيع مع إسرائيل. كشف السيد باراك أن محادثات جارية. وقال: “نحن في جولتنا الخامسة من المناقشات مع إسرائيل حول الحدود وخفض التصعيد”.
قال مالك العبدة، المدير العام لشركة Conflict Mediation Solutions ، إن الهدف الأساسي للسيد باراك هو التوسط في صفقة بين إسرائيل وسوريا.وأخبر واشنطن تايمز: “إن احتمال توقيع اتفاقية إبراهام جديدة أمر بالغ الأهمية ولا يمكن تفويته”.
الدعم السعودي للشرع يعتمد على قيام دمشق بإبرام سلام مع إسرائيل في اللحظة المناسبة.وقال السيد العبدة: “بالنسبة للشعب السوري العادي، الهم الرئيسي هو الاقتصاد. إذا كان السلام مع إسرائيل هو ثمن الحصول على مساعدات إعادة الإعمار والاستثمار، فإن أغلبية السوريين سيقبلون بهذا الثمن”.
بدأت دمشق في إعادة تصوير هضبة الجولان المحتلة على أنها منطقة اقتصادية مشتركة.وقال السيد العبدة: “فكرة أن الجولان يمكن أن يصبح منطقة منفعة اقتصادية متبادلة لكل من إسرائيل وسوريا هي فكرة ستسمعها كثيرًا في دمشق. أي اتفاق يتم التوصل إليه يمكن تغليفه كجزء من جهد أوسع لإعادة الإعمار بتمويل خليجي. هذا سيجعل الأمر أسهل للتقبل”.
السيد خضور يشكك في ذلك. وقال: “لا أعتقد أن العلاقات بين سوريا وإسرائيل ستصل إلى التطبيع الكامل. إسرائيل تنظر إلى سوريا على أنها ملاذ للجماعات الإسلامية المتطرفة التي يمكن أن تهدد أمنها”.
المقارنة مع لبنان
وضّح السيد باراك المخاطر بمقارنة سوريا بلبنان.وقال: “لبنان دولة فاشلة. لا يوجد بنك مركزي، لا كهرباء، لا حكومة تعمل. إنه مشلول بسبب منظمة إرهابية أجنبية تقول ‘الموت لأمريكا’ و ‘الموت لإسرائيل'”. وأوضح أن السياسة الأمريكية لن تكافئ قبضة حزب الله.
وقال: “أمريكا لن تواصل تمويل الخلل. سوريا تشير إلى الطريق؛ يمكن للبنان أن يقتفي الأثر أو لا”. الرسالة واضحة: الدول التي تختار التطبيع مع إسرائيل والشراكة مع المملكة العربية السعودية تحصل على تمويل إعادة الإعمار. تلك التي تقاوم تواجه الانهيار الاقتصادي والعزلة.
استراتيجية الشرع أصبحت تشبه بشكل متزايد استراتيجية حافظ الأسد، الذي أبقى سوريا ذات صلة لمدة ثلاثة عقود من خلال لعب القوى العظمى ضد بعضها البعض. منذ توليه السلطة، سافر السيد الشرع إلى موسكو، وتعامل مع تركيا حول أمن الحدود، وتودد إلى الاستثمار الخليجي، وهو الآن يستعد للقاء السيد ترامب – بينما يقوم وزير خارجيته بجولات في بكين ولندن وبرازيليا.
وقال السيد العبدة: “أي زعيم ‘قوي’ طموح لسوريا سيجد نفسه يحاكي السياسة الخارجية لحافظ الأسد. سيكون من الحكمة أن يحافظ الشرع على رعاة وشركاء متعددين، حتى لو لم يثق به أي منهم حقًا. حتى الآن، راهن الشرع على خيارات متعددة. المسار الروسي التركي، و’الغطاء العربي’ من السعودية، يعنيان أنه يمكنه مقاومة مطالب إسرائيل الأكثر عدوانية. حتى الولايات المتحدة ستجد أنها لن تحصل دائمًا على ما تريد”.
وافق السيد عبد النور على ذلك: “استراتيجية سوريا الآن هي التعامل مع جميع القوى الكبرى دون التحالف حصريًا مع أي منها”. مع ذلك، فإن دور المملكة العربية السعودية كضامن يمنح الرياض نفوذًا غير عادي. على عكس الرعاة الآخرين، تتحكم المملكة العربية السعودية في كل من الدعم السياسي الذي يحتاجه الشرع في واشنطن وتمويل إعادة الإعمار الذي يحتاجه في الداخل. هذا يجعل زيارة ولي العهد الأمير محمد في 15 نوفمبر بنفس أهمية زيارة السيد الشرع – وربما أكثر.
يرى السيد خضور النمط بشكل مختلف.وقال: “النظام السوري السابق حافظ على نفسه من خلال التوازن الدولي. اليوم، تركيا تُـبْقِي على النظام الحالي كجزء من رؤية توسعية إقليمية، تنظر إلى سوريا على أنها أرض الفرص الجديدة”.وقال السيد خضور إن ما تسميه دمشق “الدبلوماسية المتوازنة تبدو أكثر كعدم نضج سياسي – ما لم تُرسيها أسس وطنية، أسس تنمو من الداخل وتمتد إلى الخارج، وليس العكس”.
بعد مرور ما يقرب من عام على سقوط نظام الأسد، لا يزال إعادة تشغيل الاقتصاد السوري على شكل وعود أكثر من الواقع. فقد عادت البلاد إلى نظام السويفت للمدفوعات الدولية الشهر الماضي، لكن انقطاع الكهرباء يستمر معظم اليوم، وتتخلف الرواتب العامة كثيرًا عن تكاليف المعيشة، وارتفعت أسعار الوقود بشدة.
وقال السيد خضور إن الظروف “أصبحت أسوأ مما كانت عليه من قبل. ارتفعت الأسعار إلى مستويات غير عقلانية، وكذلك تكلفة الكهرباء”. تضاعفت تعرفة الكهرباء 60 مرة. “المواطنون الذين يفتقرون بالفعل إلى فرص العمل أو الدخل الكافي يتحملون العبء في النهاية. نحن نشهد تسريحات جماعية ستكون لها عواقب كارثية”.
في المنامة، ادعى وزير الخارجية أسعد حسن الشيبياني أن “حوالي 90% مما وعدنا به في الشهر الأول قد تحقق”. لكن السيد خضور قال إن الأولويات المحلية لا تزال دون حل. وقال: “أجد أنه من المخجل أن أقول إن النظام السوري يتمتع الآن بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة بينما تبقى القضايا الداخلية دون حل – مثل الإعلان الدستوري وتركيز السلطة في يد شخص واحد بدلاً من برلمان ذي صلاحيات واسعة. يبدو أن النظام الحالي يركز على تلميع صورته الخارجية بينما تتبدد أحلام السوريين”.
ستختبر الزيارتان المزدوجتان إلى واشنطن هذا الشهر ما إذا كان يمكن للزخم الدبلوماسي المدعوم سعوديًا أن يتحول إلى تمويل لإعادة الإعمار يصل إلى الأسر السورية. لا يزال الكونغرس متشككًا، والمستثمرون الخليجيون حذرون، وصبر السوريين محدود. وقال الشيبياني في المنامة: “العقوبات، بما فيها قانون قيصر، لا مبرر لها اليوم وتعرقل تعافينا. ارفعوا المعوقات وسيعيد السوريون البناء”.
عن واشنطن تايمز، ترجمة INT
اترك رد