رحلة إلى حرب مجهولة

يكرر أبو كريم نفس الكلمات، كما لو أنه لا يستطيع استيعاب الأمر. “لايزال طفلا!”, يقول متحدثا عبر الهاتف ويرسل بعدها صورة لشقيقه الأصغر. يرتدي أمجد في الصورة قميصا بلا أكمام وبنطالا قصيرا. نظرته مفعمة بالثقة بالنفس، يقف على صخرة والبحر من خلفه. فقط الشعر النابت على وجهه يٌظهر عمره. لم يعد طفلا بعمر 17 عاما. ولكنه يبقى يافعا على المشاركة في الحرب. في نهاية شهر حزيران غادر أمجد وطنه سوريا باتجاه ليبيا. عليه الآن كمرتزق سوري أن يقاتل في البلد الشمال إفريقي حيث تدور حرب أهلية، كما تقول عائلته. شقيقه الأكبر يقول: يقاتل لمصلحة الأصدقاء الروس.  

فقط قبل بضعة أسابيع كان أمجد في غرفة الأطفال الخاصة به لدى والدته في السويداء. تبعد المدينة 90 كيلومترا إلى الجنوب من مدينة دمشق وتقع تحت سيطرة الحكومة. في منتصف حزيران، يقول أبو كريم، تلقى اتصالا من من دوائر الأمن السورية, طُلب منه خلاله معلومات عن أمجد. وعندما سأل ماذا يجري، تلقى إجابة غير مرضية. فقام بالاتصال بأمجد. لكن أمجد حاول تهدئته وقال أن أصدقاءه حاولوا إقناعه بالذهاب معهم إلى ليبيا ولكنه غير مهتم. يضيف أبو كريم: “لقد كذب علي ببساطة”. منذ مغادرته اتصل بشقيقته مرة واحدة من رقم أجنبي. ومن حينها لم نسمع منه شيئا.  

كدرزي في منتصف الثلاثينات من عمره يقف في صف نظام الرئيس بشار الأسد وحلفائه الروس. الدروز معروفون بأن أغلبيتهم بقيت خارج اضطرابات ثورة عام 2011. ” أنا أقف مع بلدي، حقا”، شدد أبو كريم خلال المحادثة الهاتفية معه عدة مرات. والده كان في الجيش وشقيقه قُتل في الحرب السورية. ليس لديه شيء ضد الروس أيضا. ولكن القتال خارج الحدود السورية لصالح غريب، حتى لو كان حليفا؟ هذا ما لا يريده ولا يفهمه. ينتقد غالبا هذا الأمر. على الفيسبوك يهاجم السياسة البغيضة في إرسال شباب في مقتبل العمر لم يعرفوا من الحياة شيئا إلى حتفهم. الحكومة السورية وصفت تنظيم داعش الإرهابي بالمرتزقة عندما جاؤوا إلى سوريا. و الآن أصبحت هذه الحكومة كمصاص الدماء الذي يشرب من دماء الشعب. يقول غير خائف من النظام. إرسال القاصرين إلى الحرب جريمة.

أمجد ليس الحالة الوحيدة. الروس قاموا بكثافة في الأشهر السابقة بتجنيد شباب سوريين من مناطق موالية للنظام السورية حتى يقاتلوا لصالح الجنرال خليفة حفتر. بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان تم تجنيد أكثر من 900 سوري من قبل روسيا في شهر أيار. قبل وقت قصير بدا وكأن المنتصر في الحرب الأهلية في البلد الغني بالنفط قد تقرر. لكن الجنرال حفتر المدعوم من روسيا، مصر و الإمارات العربية المتحدة, عانى من عدة هزائم عسكرية لدى محاولته السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.   

ولكن وقف إطلاق النار لم يتحقق. وبدلا من ذلك مهد البرلمان المصري في بداية الأسبوع الطريق لعملية عسكرية في البلد المجاور. هناك حيث تدير روسيا حربا بالوكالة مع تركيا، التي تدعم رئيس الحكومة الليبية فايز السراج. يقاتل آلاف المرتزقة السوريين على الجانبين. في معظم الحالات اكتسب هؤلاء خبرة قتالية عبر الحرب السورية الطويلة.

كل هذا يعرفه أبو كريم. ولكن شقيقه لا يمتلك خبرة في القتال. أمجد كان يشغله أمران اثنان, كما يقول أبو كريم,: كيف أحصل على السجائر و الأمل بأن تكفي تغطية الانترنت للعب لعبة “ببجي”. اللعبة تحمل العنوان المناسب: “ساحات معارك غير معروفة للاعبين”. فليبيا هي ميدان معركة غير معروف بالنسبة لأمجد. يقول أبو كريم أنه لايعرف أحد عاد سليما من ليبيا. لم يسمع أحد من العائلة شيئا عنه منذ أكثر من أسبوعين.

مصير المقاتلين بعد الموت مكتوب في عقد بالعربية والروسية، تثنى لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ الاضطلاع عليه. لا يمكن التحقق من العقد عبر مصادرة محايدة، لكن التفاصيل المكتوبة فيه تتقاطع مع شهادات مجرّبة ومع أقرباء المقاتلين. وبحسب العقد تحصل عائلات المرتزقة القتلى على 5000 دولار بالإضافة لمبلغ 500 دولار شهريا, يُصرف بحسب المدة التي قاتل فيها المرتزق. مكتوب في العقد: “لا سمح الله”. في حال الإصابة يتم تعويض الشبان, ما بين 20 حتى 500 دولار كدفعة لمرة واحدة. في حال ترك أحد المرتزقة مكان عمله، يحق لرئيسه ملاحقته. من غير الواضح ماذا يعني هذا.

لكن العقد واضح تماما فيما يتعلق بالتحضير للمهمة والحفاظ على السرية. 14 يوما من التدريب مذكورة في العقد, تهدف لتقدير قدرات المرتزقة. تجري دورات التدريب في معسكرات للجيش السوري، بحسب شهادات من حضر هذه الدورات، من قبل مدربين لمجموعة فاغنر الروسية وهي شركة عسكرية مقربة من الكرملين. الرحلة إلى ليبيا تنطلق من القاعدة الروسية حميميم في مدينة اللاذقية. المهمة تمتد لثلاثة أشهر وبعدها شهر إجازة. لا يُسمح للشبان باستعمال أجهزة الموبايل في هذه المهمة. ينص العقد على السرية التامة. كما أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ممنوع تماما، بالاضافة لنشر أي نص أو مقاطع صوتية أو صور، وإلا سيؤدي ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر لكشف مكان المهمة و بالتالي فشل أهداف الشركة.  

أبو كريم لا يستطيع أن يفهم، لم قرر أمجد المشاركة في القتال في ليبيا. لا توجد مشاكل مالية، كما هو حال معظم السوريين منذ اندلاع الحرب. العائلة تملك أراض وعدة بيوت قرب مدينتهم السويداء، بحسب أبوك كريم. “هؤلاء الشباب هم من ورطوه، هؤلاء لا يجدون أي عمل, إنهم فاشلون ومتسكعون.” يضيف أبو كريم أن الحكومة السورية تقنع هؤلاء الشبان ببضع شعارات وطنية.

اسم الشركة السورية، الموجود في أعلى عقد التجنيد، هو الصياد.

المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: