في الأسر مع ثلاثة أطفال. الحب المشؤوم لألمانية في الدولة الإسلامية

 

 
الطالبة الجامعية إيليف ك. لحقت بجهادي من زولينغن إلى دولة الخلافة. الآن تقبع في السجن مع أطفالها الثلاثة كأسيرة حرب لدى الحكومة العراقية. كيف وصلت الأمور إلى هنا ؟

إنه الخامس و العشرون من شهر آب في عام 2017, يوم حار جدا في العراق. في هذا اليوم أرسلت إيليف ك. و هي ألمانية من أنصار تنظيم داعش آخر رسالة واتساب من دولة الخلافة إلى وطنها. البيوت حولها تحترق, أصوات طائرات الهليكوبتر المهاجمة تبتلع كلماتها, أولادها يصرخون عند كل انفجار. عايشت إيليف كيف انهار العالم الذي عاشت فيه أربع سنوات من حولها. حياتنا, كما تقول, انتهت هكذا ببساطة.
إيليف امرأة خجولة بعيون كستنائية تحب الطبخ و برامج القناة الثانية الألمانية. منذ أن بادلت حياتها في مدينة ألمانية صغيرة بالحياة في الدولة الإسلامية, عاشت في مغامرة و أنجبت أطفالا. تعرف أيضا ما هو طعم الغارات الجوية, اختبأت تحت السرير مئات المرات, صلّت, بكت و سألت نفسها ماذا يحس المرء عند الموت.

تكتب الآن إلى والدها في ألمانيا: مرحبا بابا, أمورنا جيدة. أنا قرب تلعفر. سيأخذونني إلى سوريا قريبا, لأن المدينة تُقصف بالكامل. لا أعلم إذا ما كنت سأبلغ الثلاثين من عمري. سأرسل لك عندما أصل هناك. و كإشارة إلى ما كانت منشغلة به في الأعوام الماضية, أرسلت في آخر رسالة تقول: اقرأ القرآن.
إيليف تجمع الثياب, تأخد الموبايل و أطفالها و تهرب من البيت. قبل ذلك و في الشارع يستلقي زوجها. أصابته قذيفة هاون في رأسه بشكل بليغ. جسمه أحمر و منتفخ. تناديه باسمه الحركي حمزة, لكن باتريك زوجها و والد أطفالها وهو جهادي مطلوب دوليا لا يستجيب. الرجل الذي لحقته إلى أراضي تنظيم داعش. كان لا يزال على قيد الحياة, كما تقول, لكنه لم يتحرك. بدا و كأنه لا يستجيب أبدا, تقول بصوت خافت. لقد كان ملقى هناك, لقد تركته. رجال داعش قادوا الأطفال و النساء خارج المدينة التي استعادها الجيش العراقي و الأكراد بعد وقت قصير.

تروي إيليف هذه المشاهد من وداعها لأرض الخلافة. متجمعين على بعضهم على درج المبنى في معسكر للاعتقال أنشأته الحكومة العراقية للنساء الأجنبيات في تنظيم داعش و لأطفالهن. إيليف امرأة ناعمة و شاحبة. جسدها ملفوف بعباية زرقاء قاتمة, تُظهر وجهها المُحاط بحجاب أسود, عليه نُدب واضحة. نظاراتها مكسورة من الطرف, و لكنها لا تلاحظ ذلك. إيليف أسيرة حرب. مع 1400 امرأة و طفل أُحضرت هنا من قبل قوات الأمن العراقية بعد سقوط تلعفر.
تقول: لا أعلم إن كنت على ما يرام, أنا مضطربة جدا. معركة تلعفر كانت أسوأ ما عايشت مع ذلك القصف.
ابنها عبد الودود ذو العامين من العمر يلف يديه على رقبتها. رأسه الأشقر يبدو كبيرا على جسده الذي يعاني من سوء التغذية. لديه ورم لا يزول أبدا, تقول إيليف. ابنتها مريم ذات الثلاثة أعوام ترتدي ثوبا متسخا و تفرك عينيها ولكنها تبقى صامتة. عبد الرحمن ذو الخمسة أعوام و هو الأكبر يعاني من اللشمانيا وهو مرض جلدي تسببه الحشرات. على يده دمامل جلدية رطبة. يقول: قام رجال بقذف صاروخ على والدي, والدي مريض, والدي ينزف. نبرة صوته تبدو و كأنها لبالغ عندما يشرح شيئا ما.
تبدو إيليف أكثر شبابا مما هي عليه. هذا يتعلق بمظهرها الأنثوي و أيضا بطريقتها البسيطة في الكلام. تسأل نفسها لماذا سجنوها. تقول: لماذا لا يطلقون سراحنا, لا علاقة لنا بكل هذا.
هذه قصة امرأة شابة, أحبت رجلا و رافقته إلى الدولة الإسلامية في سوريا. قصة إيليف و باتريك تتعلق بحب كبير مشؤوم و خطأ كبير.

اسم إيليف و بعض التفاصيل عن حياتها تم إخفاؤها في هذه القصة, لحماية أقربائها. وزارة الخارجية في برلين تعرف بحالتها.
المخيم الذي تقبع فيه إيليف منذ بداية شهر أيلول يقع في حمام العليل, وهو مكان قصي في شمال العراق مشهور بحماماته الطبيعية. ليس بعيدا عن تلعفر المدينة التي فرّت منها إيليف. يبدو معسكر نساء داعش و كأنه سجن في الهواء الطلق, كبير بحجم ملعب كرة قدم و محاط بالأسلاك الشائكة. 1400 سيدة و طفل محتجزون هنا, معظمهم من تركيا و أوزباكستان و طاجكستان و الصين و فرنسا و ألمانيا. بنت منظمة إغاثة خيما هنا. في داخلها نساء منهكات يرقدن على فُرش و أغطية. كلهم يرتدين عبايات قاتمة اللون كما في مناطق داعش.
الجنود العراقيون الذين يحرسون المعسكر ببنادق الكلاشنكوف غالبا ما يُظهرون حقدهم. يقول أحد الحراس: كنا سنقتل هؤلاء النسوة لولا وجود العاملين في المنظمات الدولية هنا. لقد طال الأمر لساعات حتى سمحوا لنا بالمقابلة. قاموا بمقاطعتنا عدة مرات و منعونا من التصوير.
إيليف تريد أن تشرح قصتها. تأمل في الحصول على مساعدة. تريد فقط العودة إلى بيتها, حرة كما في السابق.

A general view of Hammam Al-Alil camp is seen in south of Mosul

 

 

إيليف تسأل نفسها, لماذا يسجنونني هنا؟ لا علاقة لنا بكل هذا الأمر

الفوضى في المعسكر كبيرة و لكن إيليف تتصرف بهدوء و تقريبا بشكل لا مبالي. عندما تتحدث تحاول إسكات أصغر أطفالها. و مهما تم إزعاجها من قبل الجنود, لا ترد إيليف. عبد الرحمن, أكبر أطفالها, يتابع رجل في المعسكر بنظره, إنه جندي, و يناديه: بابا…..بابا.
قريبا ستُهزم الدولة الإسلامية في العراق عسكريا. عندها سيأتي الوقت للعقاب و المصالحة, ليس فقط في العراق و لكن في الدول التي جاء منها أنصار داعش.
تفترض السلطات الألمانية وجود 70 امرأة في العراق. حوالي 940 إسلامي سافروا من ألمانيا إلى سوريا و العراق, معظمهم مسلمون من أصول أجنبية. ما زال أكثر من نصفهم خارج البلاد و لكن الكثيرين منهم يرغبون بالعودة. كيف ستتعامل ألمانيا مع زوجات أعضاء تنظيم داعش؟ ما هو الذنب الذي اقترفنه؟ ماذا سيحدث مع الأطفال الذين تحولوا لضحية لوالديهم؟

فرنسا و دول أخرى مرروا معلومات عن المسافرين إلى العراقيين مع الطلب منهم بمثول هؤلاء أمام المحكمة لأسباب أمنية. السلطات الألمانية تخشى على العكس من ذلك إعدامات خارج القضاء أو محاكمات شكلية, لأن العراقيين يريدون إثبات أن تنظيم داعش مدعوم من قبل الكثير من الأجانب. ينص القانون العراقي على إعدام من تثبت عضويته في تنظيم إرهابي. تم فتح تحقيق قضائي ضد ليندا ف. عضو تنظيم داعش ذات الستة عشر عاما من ولاية زاكسن و التي كانت قد اعتقلت في الموصل قبل عدة أسابيع.
إيليف ك. تسأل نفسها, ماذا سيحدث معها ومع أطفالها. تقول: أردت دائما أن أنهي دراستي الجامعية.

وُلدت لعائلة مهاجرة في مدينة ألمانية صغيرة, شهادة جامعية كانت ستعني الكثير لها. تربت إيليف في بيت مع حديقة, عالم صغير و مرتب. تسافر مع عائلتها في إجازة إلى البحر, مرة حتى في فندق ذو خمس نجوم. إيليف تحب الشاطئ و البوفيه المفتوح. تقول: لكنني لم أستخدمه. بالنسبة لها هذه جملة تقليدية. كانت تعول أنها ستتأقلم مع الوضع و تلتزم بالقوانين.
في شبابها كان عند إيليف نفس أصدقاء أشقائها. تدربت في ناد رياضي, تسوقت مع أصدقائها. لكنها لم تكن تشرب الكحول ولم تدخن. فتاة أرادت أن تكون جيدة. والداها كان يعرفان على الدوام ماذا تفعل. و لكن إيليف لم تكن تلميذة جيدة كما تقول فأشقاؤها كانوا أفضل منها في كل شيء. مع هذا تمكنت من إنهاء المدرسة بشهادة و درست حتى في الجامعة عدة فصول دراسية. عندما تشرح ذلك يبدو الأمر و كان فتاة تتلاشى خلف قدراتها.
تربت إيليف في بيت مسلم لم يلعب فيه الدين دورا كبيرا. حتى هي لم تكن تهتم بالإسلام حتى نهاية عام 2011 عندما تعرفت على أصدقاء جدد و على الرجل الذي خطفها إلى عالم جديد. في المدينة التي درست فيها التقت بصديقات مغربيات و باكستانيات. إحداهن عرفتها على باتريك ك. كان ألمانيا من عمرها متحولا إلى الإسلام.
تقول إيليف: أعجبها باتريك بشكل كبير. لم تستطع أن تشرح أكثر لماذا أحبته. في البداية تعاطفت معه فهو تربى في الميتم ولم ير أمه قط و والده هجره. تعرف الاثنان على بعضهما أكثر عبر الانترنت. قبل أول موعد عاطفي بينهما تبادلا الأسئلة التالية:
كيف تعرفت على الإسلام؟
أي شهادة مدرسية تحمل؟
ما هي مهنتك؟
لماذا تريد الزواج؟
كيف تتخيل الزواج؟
ماهي المواصفات التي ينبغي أن تتحلى بها المرأة؟
متى تريد إنجاب أطفال
أسئلة عادية جدا, تقول إيليف.

تشرح إيليف كيف اكتشفت القرآن من جديد. لقد سلكت الآيات طريقها مباشرة إلى قلبي. سورتها المفضلة كانت رقم 56. سينقسم المؤمنون هناك إلى أصحاب الميمنة و أصحاب المشأمة و السابقون. السابقون؟ السابقون؟ إنهم الذين سيقربهم الله في جنات النعيم. تقول: أردت أن أكون من السابقين. سورة باتريك المفضلة كانت رقم 78. تتحدث عن العذاب و العقاب و لكن أيضا عن ربح من يخشون الله: بساتين فاكهة و أعناب و نساء ذوات صدور كبيرة و أنهار مليئة حتى حافتها.
لم ينتظرو طويلا حتى عقدا قرانهما. كانت إيليف في الثالثة و العشرين. في نفس العام ذبحوا خروفا. في الاحتفال دعا أصدقاؤه فقط. تركت إيليف دراستها و انتقلت إلى بيته. عزلها باتريك عن أسرتها. فجأة وجدت نفسي دائما في البيت, أردت أن أزور والديّ و لكنه لم يسمح لي. فالتواصل مع أهلها كان ممنوعا. بعد عام وُلد ابنها الأول عبد الرحمن.
إيليف تتحدث عن حياتها قبل تنظيم داعش و تقول دائما أن والديها و أشقائها كانوا جيدين. يبدو الأمر و كأنها لا تدرك في أي وضع هي فيه الآن. تبدو ضائعة قليلا كشخص متعود دائما على تلقي الأوامر.

تقول أن عمل باتريك حينها كان أن يطبخ في الاحتفالات الإسلامية. في المساء يشاهدون فيديوهات عن معاناة الناس في سوريا. كانوا يذهبون إلى تجمعات التبرع التي تقيمها المنظمة الإغاثية „مساعدة المحتاج“ . السلطات الأمنية اتهمت هذه المنظمة بمساعدة المنظمات الجهادية.
الفيديوهات أثرت فيّ نفسيا كثيرا, تقول إيليف. أردت أن أفعل شيئا. لقد طلبت من أصدقائها التبرع. ثم جاءت الفكرة أن نهرب إلى سوريا. أعضاء في المنظمة, تقول, نقلوا الزوجين و ابنهما إلى المطار في صيف عام 2013. لقد سافروا إلى تركيا إلى غازي عينتاب على الحدود السورية.
إيليف و زوجها يخبزون البيتزا و يشاهدون القناتين الألمانيتين الأولى و الثانية. إنها حياة ألمانية تقريبا
إيليف حامل في شهرها الرابع عندما ركضت عبر الحدود مع حقيبتها. لم أكن أنوي البقاء هناك طويلا, تقول, لم أكن أخشى أن يقصفونا بالصواريخ.
وصلوا إلى مدينة أعزاز قرب الحدود مع تركيا. حينها كان تنظيم داعش يحكم. تقول إيليف: كانوا لطيفين جدا و فرحوا لقدومنا و أننا جئنا لمساعدتهم. تم تجهيز بيت لهم, لم يدفعوا الإيجار.

و لكنهم وصلوا إلى الحرب. كان القتال يدور وقتها في اعزاز. تقول إيليف: أردت العودة عندما اتضح لي ذلك. و لكن باتريك أجاب: لقد وصلتي للتو, ابق هنا فالعودة بعيدة. تضيف: لقد بقينا لمدة نصف عام في اعزاز. كان هناك مقاتلون ميتون و رصاص. لم يعجبني هذا من البداية. لقد بقيت في المنزل غالبا لانها كانت حاملا. وُلدت ابنتها في شهر كانون الأول عام 2013. لقد فرح باتريك كثيرا بالطفل. الحمل هو من واجبات المرأة في دولة الخلافة, ففي النهاية يحتاجون إلى مواطنين.
خسر تنظيم داعش في اعزاز و تم نقل الأطفال و النساء إلى الرقة التي كانت العاصمة غير الرسمية للخلافة. هناك وصلت إيليف في شتاء عام 2014 إلى فيلا مهجورة حيث أقامت مع عدة عائلات. انتظروا قدوم باتريك الذي بقي حتى يدافع عن المدينة. عندما لحق بهم انتقلت العائلة إلى مسكن خاص بها. لم تعجبها الرقة. تقول: لم أجد مكانا أسوأ منها.
في شهر تشرين الأول عام 2014 اكتشفت السلطات الألمانية صورا و آثارا في الانترنت يظهر فيها باتريك مسلحا ببندقية كلاشنكوف وهو ينسب نفسه لتنظيم داعش. في ملاحظات المحققين تبدو الصور إثباتا على وجود باتريك ك. في سوريا و اشتراكه في المعارك هناك.
تزعم إيليف أن زوجها لم يكن محاربا حقيقيا. أحيانا كان يشارك و يصور في مناسبات إسلامية أو أنه كان يشارك في الحراسة. ألم يقتل أحدا؟ لا أبدا. متأكدة؟ أنا أعرف زوجي. عندما كان الأمير, وهو أحد القادة في تنظيم داعش, يأمر باتريك بالانضمام لجبهات القتال كان يقول لا, لا أستطيع فأنا أخاف و لياقتي البدنية ليست جيدة. و كان الأمير يجيب, حسن إذهب إلى البيت. لا يمكن التحقق من هذا, كما لا يمكن التحقق بأغلب ما تقوله إيليف.
في الرقة شاهدت إيليف أناسا مقتولين من قبل تنظيم داش في الشوارع. كانت مترددة و هي تتحدث عن ذلك. لقد رأيت مثلا مرة جثة ملقاة في الشارع. لم أعلم أن الإسلام يسمح بذلك. لقد نظرت ببساطة بعيدا. على المرء أن يتعامل كثيرا مع الموت حتى يصبح أمرا عاديا. الغارات الجوية كانت تسبب لها اضطرابا. كل مرة أسمع الطائرة بلا طيار فوقي, أعتقد أنها ستصيبني الآن. كان باتريك يغطي رأسه بغطاء السرير. حسن لا يبدو أنه بخير, مع أنه رجل.
مرت الأشهر و كانت إيليف لا تفهم إلا القليل عن وجودها في سوريا. ماذا أفعل هنا, سألت زوجها. أنا أتبرع بالقليل فقط و لكنني لا أفعل شيئا. أرادت العودة إلى الوطن, و لكن زوجها قال: لا يسمحون لنا بذلك. يمكنها أن تحاول ذلك ولكن الأطفال سيبقون هنا. و عندما يقبضون عليها سيقتلونها. إيليف بقيت. كانت تعرض لابنها على الكومبيوتر فيديوهات للأطفال من التلفزيون الألماني .
باتريك يعرف كيف يتلاعب بالبشر. هذا ما قاله عنه رجل عرفه منذ كان عمره أربع سنوات و نصف. يصف الرجل نفسه بوالد باتريك بالتربية. عاش في منطقة الراين و سنسميه هنا ج. هو فنان عمره 76 عاما و هو متقاعد يرسم على الأواني في معرضه الخاص. حتى اليوم ما زال الميتم الذي تربى فيه باتريك قائما على الساحة أمام منزله. كان باتريك الصغير يزوره مرارا في شقته و كان ج يستقبل باتريك و يأخذه في جولات في المتحف.
كان باتريك طفلا منعزلا لم يجرؤ أحد على معانقته, يقول والده بالتربية. كان المربون يشعرون بالتعب من التعامل مع باتريك, كان يضرب الأطفال الآخرين. عندما بلغ الخامسة عشر من عمره انتقل مع أحد المربين إلى قرية فرنسية حيث قام بتقطيع الحطب هناك. أهداه والده بالتربية كاميرا. يُظهر لنا صورا أُخذت حينها: كلب, طاووس, نار المخيم, ضباب. كانت أفضل أوقات حياته, يقول ج, كان يتمنى دائما العودة إلى هناك.
بالعودة إلى ألمانيا كان باتريك يقوم بأعمال شغب و يتهرب من المدرسة. كان يبحث دائما عن تواصل مع والده الأصلي. عندما أصبح بعمر السابعة عشرة أمنت دائرة الشباب له بيتا. و هنا بدأ الانحدار. تراكمت الديون على باتريك و تحول إلى مجرم. أخبر والده بالتربية عندما كانا في رحلة بالسيارة أنه دخل في الإسلام. كان ج مندهشا و لكنه اعتقد أن هذا أمر جيد فهو يمنحه قواعد يلتزم بها.
لم يعد باتريك يأكل لحم الخنزير و أصبح يصلي في المعرض الخاص ب ج كما أنه امتلك لحية دينية. ج كان يوصله بالسيارة إلى المسجد في زولينغن هناك حيث انضم إلى جماعة من السلفيين المتعصبين. لقد أهدى والده بالتربية قرآنا. لم يقرأه و لكن استعداده للمساعدة كان بلا حدود. أعاره سيارة و جهاز كومبيوتر. ترجاه باتريك أن يرسم له نموذجا لعلم تنظيم داعش على لوحة قماش كبيرة, قام باتريك لاحقا بإهدائها لأصدقائه. لم يكن ج يعلم بمعنى الرموز التي رسمها.
فجأة أخبره باتريك أنه يريد الزواج. أوصلهم ج إلى متجر الأثاث إيكيا و إلى السوبر ماركت و أوصل إيليف الحامل إلى الطبيبة النسائية. يقول ج: المرأة كانت مخبأة خلف كيس أسود. كان لديها صوت حار و شكل مقبول و لكنني لم أر عينيها قط. في ألمانيا ينظر الوالد بالتربية إلى الصورة التي حملتها الصحفية من المعسكر في العراق ويرى وجه إيليف للمرة الأولى. تبدو ظريفة, كما يقول. ثم يسأل إذا ما كان باتريك تحول إلى شخص عنيف, أو إذا ما كانت قد حكت شيئا عن ذلك, لكنها لم تفعل.
مرة واحدة التقت إيليف بعد زواجها في مكتب محامية في فرانكفورت بأهلها, كما يتذكر الوالد بالتربية. لقد تجول حول المبنى عدة مرات و كان باتريك مستعجلا أثناء صعوده مع زوجته في السيارة لأن والديها أرادا إيقافها للتحدث معها.
في الخامس من شهر أيار عام 2012 حصلت مواجهات بين الشرطة و السلفيين في بون باد غودسبيرغ تم فيها طعن شرطيين بالسكاكين. بحسب الشرطة كان باتريك مشاركا. كان يعتبر كشخصية قيادية في المشهد الإسلامي و كان يملك صلات في كل الاتجاهات مع أشخاص خطيرين كما جاء في ملاحظة لشرطة بون. لقد تلقى الوالد بالتربية زيارة من جهاز حماية الدستور.

في منتصف عام 2013 اختفى باتريك فجأة. بعد عدة أسابيع أرسل إلى والده بالتربية إيميلا قال فيه: أنا الآن في تركيا و سأقضي الآن وقتا طويلا هنا و ربما أبقى للأبد. سيكون لطيفا منك لو استطعت أن تدعمني قليلا ببعض المشتريات شهريا. لقد طلب منه دفع مجموعة مشتريات تتضمن: كريما للوجه خاص بالأطفال, توابل, خردل, قارئ كتب الكتروني و خبز أسود مُعد للتصدير. كان عليه أن يسلم المشتريات لمحل موبايلات في مدينة هيرني.
استمر التواصل بينهما عبر سنوات. هناك إيميلات و سجلات محادثة تدور حول النقود و حول الطقس. لم يكتب باتريك أبدا عن ظروف حياة خطرة. هنا يسكن المرء في بيت أفضل من ألمانيا و يقود سيارات أفضل, كما كان يقول. لم يتحدثا أبدا عن مكان إقامته. في شهر نيسان عام 2015 كتب باتريك مازحا: مرة في العراق مرة في ليبيا أو نيجريا في أفغانستان اليمن الجزائر السعودية و مرة في سوريا. دائما حيث يحتاجون آلة قتل ألمانية مدربة بشكل جيد.
آخر رسالة جاءت في شهر آب من عام 2017 من تلعفر. الأغبياء يلقون قنابلهم بشكل وحشي في كل مكان, لكن هذا هو الطريق الذي اخترناه و سنمضي فيه حتى النهاية.
في المعسكر العراقي يبزغ فجر يوم جديد تخرج إيليف من خيمتها. إنها متعبة فقد نامت بشكل سيء.

هل نبدو كمتطرفين؟ تسأل. نبدو بثيابنا هذه كبشر عاديين. و تعترف أنها ارتكبت خطأ بقدومها إلى سوريا و لكن من دون نية سيئة. تقول إيليف أنها حزينة على الناس الذين قتلوا في الغارات الجوية في مناطق داعش. بعد هجمات تنظيم داعش في أوربا تسأل نفسها: لماذا يقيمون الدنيا عندما يموت شخصان أو ثلاثة؟ هنا يموت المئات كل يوم. لماذا يقتلوننا؟ بحسب منطقها فإنه يتم مهاجمة تنظيم داعش الذي لا ذنب له.
تحاول إيليف تجميل الواقع ربما لحماية نفسها. الحياة في دولة الخلافة لم تكن سيئة جدا بالنسبة للنساء. إذا سارت إحداهن في الشارع و هي لا ترتدي الثياب الصحيحة, يتم تنبيهها, يُرجى ألا ترتدي ثيابا ضيقة, يُرجى تغطية الأعين و لكن بأدب تام. لكنها لم تشرح شيئا عن حالات الجلد الجماعي من قبل تنظيم داعش. و لكنها حكت عن حالة رجم شهدتها عندما انتقلت العائلة إلى تلعفر. تجمع حشد من الناس حول امرأة يُفترض أنها ارتكبت الزنا. لقد اعترفت المرأة بإرادتها و ندمت على ارتكابها الزنا مع علمها أنها ستُرجم كما تقول إيليف. ربما أرادت الرجم لأنها ضميرها يؤنبها. كانت متزوجة ولم تستطع الاستمرار بهذا الشكل. هكذا تبرر إيليف عملية قتل وحشية.
في تلعفر شمال العراق كانت الحياة بعد الصعوبات في اعزاز و الرقة أخيرا جيدة. لقد شعرت هي و باتريك بالسعادة و كأنهما في الوطن. تتحدث إيليف بصيغة الحاضر و كأنها لم تفهم بعد أنها في السجن. أعيش لمدة عامين في تلعفر, كما تقول, هنا و كأني في ألمانيا. عاشت في فيلا مع مسبح. الكثير من أهالي تلعفر هربوا و تركوا أملاكهم. تقول إيليف: ماء بارد كما لو كنا في إجازة.
هنا ولدت إيليف ابنها الثالث. كسب الاثنان المال عبر خبز البيتزا في المنزل. كانت إيليف تملأ البيتزا بالمكونات في المطبخ و باتريك يحرص على إيصالها إلى المخبز. كانا يشاهدان قناتي التلفزيون الألمانيتين الأولى و الثانية. حياة ألمانية تقريبا. و لكن فيما بعد بدأت الغارات الجوية و انتهت حياتها في دولة الخلافة أسرع مما تعتقد كما تقول إيليف.
أربعة آلاف كيلومتر بعيدا عن معسكر إيليف يقف رجل وحيد قرب الطريق السريع في ألمانيا. رجل فقد ابنته, إنه والد إيليف. لا يُسمح لنا بالكتابة عن شخصيته و أين يسكن, فهو يجد الأمر عارا كبيرا له و لعائلته. ينبغي أن يبقى مجهولا في هذه القصة. الرجل مهاجر عمل بجد كل حياته ليؤسس حياة لعائلته. منذ أن هرب باتريك بابنته إلى سوريا يستيقظ أحيانا في الليل و يصرح.
يصعد الرجل في السيارة و يأخذ الصحفية معه إلى بيته. إنه غاضب من ابنته. في المطبخ يُسخّن الرز و يقطع الفواكه. البيت جميل و مرتّب بطريقة عملية. يقول أن إيليف امتلكت قلبا نظيفا. كانت مؤمنة بشكل خفيف ولم تكن متدينة. لم نشعر كيف فقدناها. في اليوم التالي عندما كان الوالد يجلس في حديقته اتصلت إيليف من المعسكر على هاتف الصحفية.

ركض الأب بالهاتف إلى عالمه الذي يعيش فيه وحيدا. سمع صوت ابنته للمرة الأولى منذ خمس سنوات. قالت له أنها علقت في وضع لا تستطيع الخروج منه لوحدها. لقد اختبأت إيليف في مرحاض في المعسكر لتتمكن من إجراء المكالمة. بابا, أريد العودة إلى ألمانيا. لقد ارتكبت خطأ. بقي صوتها في أذن الأب طويلا. بدأ ببطئ يسامح إيليف. بعد عدة أيام بدأ يناديها بحذر حبيبتي.
لا أحد يعلم إذا متى ستعود إيليف أو حتى إن كانت ستتمكن قط من العودة. فهي تقبع في السجن بلا اتهام. يُصر العراق حتى اليوم على التعامل قضائيا مع حالات كحالتها بنفسه. إذا ما تم إثبات أنها قاتلت مع تنظيم داعش فهي مهددة بالسجن أو الإعدام شنقا. في حال أنها لم تتورط في أعمال تستوجب العقوبة فسيتم تسليمها للسفارة الألمانية.
تعتبر الحكومة الألمانية أنه من الممكن التوصل لصفقة مع العراق يتم بموجبها إعادة نساء داعش إلى ألمانيا. و لكن رجال الأمن يسألون أنفسهم إلى أي حد تشكل هؤلاء النسوة خطرا. عليهن أن يمثلن في ألمانيا أمام القضاء بتهمة دعم منظمة إرهابية. و لكن إثبات ذلك صعب لذا فالكثير منهن سيبقين بلا عقاب.
فكرت إيليف في المعسكر بمستقبلها في ألمانيا. تريد أن تعود إلى منزل والديها. الأطفال سيذهبون إلى المدرسة. كان من الخطأ الذهاب إلى سوريا لقد اعتقدت أننا نقوم بشيء كالإجازة لأنه من الجيد أن تذهب إلى مكان جديد من حين لآخر.
تقول أنها لا تعلم إذا ما كان زوجها مازال حيا. تخشى أنه قد مات. عبد الرحمن أكبر أولادها و الذي عاش أربعة أعوام في الدولة الإسلامية يركض حول أمه في المعسكر. يقول: إذا لم تصلي فسوف تذهبين إلى جهنم, فهمتي. و عندما تصلين فستذهبين إلى الجنة, فهمتي. تنظر إيليف نظرة خجل.
لا تزال تعبر عم رغبتها بالمساعدة. تقول: ربما أستطيع العمل مع اللاجئين في ألمانيا. هناك حاجة كبيرة بسبب الناس الذين يهربون من سوريا و العراق. لكنها لم تقل شيئا حول مسؤولية تنظيم داعش عن المشاركة في الحرب التي هجرت هؤلاء الناس.
في يوم الاثنين و بعد أسبوع من اللقاء في المعسكر, نقلت الحكومة العراقية إيليف و أطفالها الثلاثة إلى سجن عسكري في تل كيف شمال الموصل. هنالك سيتم استجواب نساء داعش. يوم الأربعاء اتصلت إيليف بوالدها عبر الهاتف. استطاع فهم كلامها بصعوبة. كانت خائفة جدا.

المصدر

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: